IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

العمــل الأهلــي والإطــار المؤسسـي.. مؤشرات القياس والتقييم

 الخميس. 30 يونيو., 2022

العمــل الأهلــي والإطــار المؤسسـي.. مؤشرات القياس والتقييم

كيف يمكن توسيع فرص الرهان على منظمات العمل الأهلي في مصر دون تحديد حجم إسهامها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وقياس درجة تأثيرها وفاعليتها، وتحديد اتجاهاتها، والوقوف على منظومة القيم الحاكمة؟ سؤال من جملة الأسئلة التي ارتبطت بإشكالية وضعية المجتمع المدني المصري منذ نشأته وحتى الآن، ورغم كثرة الدراسات الراصدة لمسارات التطور والتعثر، وتناولها للعديد من الزوايا وأطر المعالجة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن ندرة الدراسات المرتبطة بالإسهام الاقتصادي والاجتماعي تظل علامة واضحة على ضعف قدرات المجتمع البحثي ومؤسسات الدولة على رسم تصور متكامل لحجم وطبيعة مشاركة المجتمع المدني في الميزانية العامة للدولة، على سبيل المثال، كما هو حادث في العديد من دول العالم وبعض دول منطقتنا العربية.

كيف يمكن توسيع فرص الرهان على منظمات العمل الأهلي في مصر دون تحديد حجم إسهامها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وقياس درجة تأثيرها وفاعليتها، وتحديد اتجاهاتها، والوقوف على منظومة القيم الحاكمة؟ سؤال من جملة الأسئلة التي ارتبطت بإشكالية وضعية المجتمع المدني المصري منذ نشأته وحتى الآن، ورغم كثرة الدراسات الراصدة لمسارات التطور والتعثر، وتناولها للعديد من الزوايا وأطر المعالجة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن ندرة الدراسات المرتبطة بالإسهام الاقتصادي والاجتماعي تظل علامة واضحة على ضعف قدرات المجتمع البحثي ومؤسسات الدولة على رسم تصور متكامل لحجم وطبيعة مشاركة المجتمع المدني في الميزانية العامة للدولة، على سبيل المثال، كما هو حادث في العديد من دول العالم وبعض دول منطقتنا العربية.

بل إن نمطية المسؤوليات والأدوار الخاصة بالعمل الأهلي وما يحكمه من قيم وثقافة وموروث مجتمعي تشير بوضوح إلى محدودية التطور، وبطء حركة العمل الأهلي بشكل عام، وأن القفزات الكمية التي شهدها في تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحالي لم تنعكس إيجابيًّا بوضوح على أجندته ومسار علاقته، سواء باتجاه الدولة أو القطاع الخاص.

وبعيدًا عن مظاهر الضعف التي ارتبطت بمنظمات المجتمع المدني المصري، وحالت دون رسوخه وقوته، وساعدت على استمرار هشاشته وعدم قدرته على تلبية الاحتياجات والتكيف مع متطلبات تطور الدولة والمجتمع، وهي ظاهرة لا تقتصر على مصر بل تمتد إلى المنطقة العربية ككل، وإن كانت بدرجات متفاوتة، فإن أبرز هذه الأسباب يكمن في عدم انتقال مجتمعاتنا التقليدية إلى مجتمعات حديثة، بل إن غلبة الطابع التقليدي لمجتمعاتنا واستمراره وما اكتسبته من قشور تحديث، أسهمت في هزِّ أركان المجتمع التقليدي وإضعاف مؤسساته في الوقت الذي لم تتوافر متطلبات بناء وتأسيس مؤسسات حديثة قادرة على مواجهة التغييرات والمستجدات المجتمعية.  

هذا السبب وغيره من الأسباب التي ارتبطت بتطور الدولة والمجتمع في منطقتنا العربية، هي نقطة الانطلاق التي يجب البدء منها لتشخيص الواقع والوقوف على مظاهره وسماته، ولكن نظرًا لكبر الموضوع ومتطلبات المعالجة له، ومحاولة لمسايرة الهدف من هذا التقرير، وهو تشخيص ومعالجة القصور المؤسسي لمنظمات المجتمع المدني، فسوف نقصر المعالجة هنا على مكون واحد هو الجمعيات الأهلية، خاصة أن خريطة الجمعيات الأهلية الجديدة بعد انتهاء مرحلة توفيق الأوضاع في يناير 2022، تشير إلى عدد من الدلالات والمعاني الواجب دراستها وتقييمها ووضعها في سياق أوسع من مجرد رصد للأعداد، ولكن ما يجب أخذه في الاعتبار هو مردودها على عملية التطور، وطبيعة الرهان على تعظيم دورها ومسؤولياتها واتجاهات عملها. 

واتساقًا مع هذه الرؤية فسوف تقتصر المعالجة على ثلاثة محاور رئيسة، أولها يتعلق ببعض الإشكاليات المفاهيمية والنظرية، وثانيها يرتبط بملامح خريطة الجمعيات الجديدة ودلالاتها، وثالثها مؤشرات قياس الفاعلية مع التركيز على مؤشر المؤسسية. 

أولًا: الإشكاليات النظرية والمفهومية

النظرة التكاملية بين الأطر النظرية والمنهجية ومحاولة اختبارها تطبيقيًّا وعمليًّا، تشير بدورها إلى مجموعة من الإشكاليات المرتبطة بطبيعة نشأة منظمات المجتمع المدني المصري (والعربي)، وعلاقاتها بالدولة، وتأثير البيئة الحاضنة للعمل الأهلي، وطبيعة النخبة القائمة على هذه المنظمات، وحدود الوعي بمتطلبات دورها التنموي والدفاعي في إطار خبرة استندت إلى العمل الخيري والرعائي بقدر أكبر. هذه الإشكاليات التي تمثل قيودًا أو عوائق أمام عملية التقييم، تعكس أيضًا في أحد جوانبها البعد الثقافي والقيمي الحاكم لعمل المنظمات الأهلية في مصر، وعلاقته بعملية التقييم والاهتمام بمردوده، كما تفترض تحديد حجم الإسهام وقياس الأثر (impact)، والتعرف على درجة تطور تلك المنظمات بالتبعية في ظل غياب النموذج الذي يمكن الاستناد إليه، وتباين المعايير التي يمكن التقييم على أساسها، وحاجة بعض المعايير الدولية إلى إعادة النظر فيها؛ حتى يمكن أن تتوافق مع الواقع الاجتماعي والثقافي. وهنا يمكن تناول خمس إشكاليات رئيسة أبرزها العديد من الدراسات التقييمية والميدانية، وهي كالآتي:

الأولى: ترتبط بأهمية توافر البيانات والمعلومات التفصيلية الخاصة بأداء مؤسسات المجتمع المدني، للوقوف على حدود إسهامه وفاعليته في مجالات العمل الأهلي كافة، فضلًا عن القدرة على تحديد طبيعة هذه المؤسسات ودرجة تطورها. وهنا يمكن التفرقة بين  ثلاث مراحل لتطور مؤسسات المجتمع المدني، المرحلة الأولى وتبدأ فيها المنظمات  بالتعرف على هويتها تدريجيًّا ودورها في المجتمع المحلي، ثم تتطور في مرحلة ثانية للتوسع خارج مجتمعها المحلي، وفي مرحلة ثالثة وأخيرة تثبت في المجتمع كمؤسسة من مؤسساته التي يتميز بها في ظل تنامي دور الأنشطة الأهلية بشكل عام، واتساع حيز مشاركتها بشكل خاص، مع الأخذ في الاعتبار حتمية توافر مقومات التفاعل الحقيقية مع المجتمعات المحلية، وتقديم العديد من أشكال الخدمات الحقيقية لهذا المجتمع، انطلاقًا من قاعدة مؤداها أن دور هذه الجمعيات لا بد أن يكون مؤسسًا على قواعد اقتصادية حقيقية.

والجدير بالذكر هنا، أن إشكالية قضية البيانات والمعلومات في الواقع المصري لا تقتصر على محدودية البيانات والمعلومات المتاحة، ولكن تعدد المعايير الحسابية والمرجعية، فضلًا عما تتطلبه مؤشرات القياس الكيفي من معايير لا تتضمنها البرامج والأنشطة الخاصة بالمنظمات الأهلية. 

الإشكالية الثانية: تتعلق بتباين درجة ومستوى تطور المنظمات الأهلية، وهو ما توضحه عملية تحليل ورصد جملة من السمات العامة، نذكر منها: الخصائص الذاتية للجماعة القائمة على مؤسسات المجتمع المدني، ودرجة الاستقلال، والإطار السياسي، ونوع السياسات العامة، والثقافة السياسية. وهنا يمكن تأكيد مؤشرين أساسيين، أولهما يتعلق بالتطور الكمي، أما المؤشر الثاني، فيرتبط بالتطور النوعي وحدود انعكاسه على تبلور دور ومسؤوليات المنظمات الأهلية وزيادة فاعليتها؛ حيث ترافق مع هذا التطور على المستوى الكمي تطور كيفي في أنشطة وفاعلية هذه المنظمات؛ فقد برز جيل جديد من المنظمات الدفاعية التي تقوم بدور تنويري ونشط في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل والفئات المهمشة، إلى جانب ذلك تزايد الاهتمام بمكافحة الفقر وتبني منهج جديد للتعامل مع المشكلة، يستند إلى فكرة التمكين، وليس مجرد تقديم الخدمات، كما ظهرت أنماط من المنظمات تهدف إلى ملء الفراغ الذي تركته الدولة، وبخاصة في مجال التعليم والصحة. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإنها لا تمثل توجهًا عامًّا؛ فلا تزال التوجهات الخيرية لها الغلبة على نشاط المنظمات الأهلية.

الإشكالية الثالثة: تفرضها عملية اتساع أجندة العمل الأهلي ومتطلبات دوره الجديد، الداعي للاهتمام بعملية التقييم بقدر أكبر من ذي قبل؛ فالتصدي لقضايا التنمية البشرية والحقوقية، وما تفرضه هذه النوعية من القضايا من تعقيدات وصعوبات، يتجاوزان الأداء البسيط الذي يتطلبه العمل الخيري والرعائي؛ فحشد الطاقات والتأييد المجتمعي لمواجهة القضايا التنموية ذات السمة الاجتماعية على أرضية حقوقية يتطلب درجة عالية من الكفاءة والفعالية والمحاسبية والشفافية والمؤسسية؛ حتى يمكن ضمان اتفاق المجتمع حول أدوار هذه المنظمات والوثوق بها. كما أن قضايا من نوعية مكافحة الأمية والحد من البطالة ومواجهة العنف والتفكك الأسري والإدمان، تفترض تطوير رؤية المنظمات وآلياتها، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال تقييم الأداء وحجم الإسهام، مقارنة بما يتوافر من إمكانات وموارد لدى هذه المنظمات، وما يمكنها تحقيقه لتقليص الاحتياجات المجتمعية ودفع عجلة الإصلاح والتنمية.

الإشكالية الرابعة: ترتبط برؤية المجتمع المدني، وزيادة تأثير دور منظماته استنادًا إلى تفعيل مجموعة من الآليات التي يمثل التقييم قاسمًا مشتركًا بينها، نذكر منها: الدفع نحو تغيير الصورة والإدراك السلبي لدى غالبية المواطنين عن بعض قطاعاته، وخاصة تلك العاملة في المجال الدفاعي والحقوقي، وأيضًا إيجاد آليات لحل الخلافات والصراعات القائمة بين بعض المنظمات، سواء فيما بينها أو في داخلها، بحيث يمكن تجاوز منطق الشللية ومواطن الضعف، وكذلك مطلوب تأكيد بعض القيم والسلوكيات الإيجابية، مثل: النزوع أكثر نحو التطوع، وتوفير مواهب إدارية وموارد اقتصادية.

الإشكالية الخامسة: تتعلق بالقدرات والربط بين الرؤية والمسؤوليات من جانب، والإطار المؤسسي من جانب آخر، فهذا الربط من شأنه أن ينعكس على الفاعلية والتأثير بشكل كبير. ولذا من الضروري أن تكون رؤية ورسالة المنظمة واضحة من حيث الوصول إلى الفئات المستهدفة من جانب، والقدرة على تقديم خدمة جيدة وقياس الأثر من جانب ثان، ومردود ذلك على بناء قدراتها وهياكلها المؤسسية من جانب ثالث، بالإضافة إلى حدود توظيفها لإمكاناتها وقدراتها، بما يوفر لها القدرة على الاستدامة، واستمرار نشاطها ودورها.

هذا وترتبط الإشكاليات السابقة في مجملها بما يمكن تسميته بالبيئة المحفزة لدور العمل الأهلي، وفي القلب منها عملية التقييم؛ فتقييم الأداء وتحسين السياسات الاقتصادية والاجتماعية سواء كانت على المستوى القومي أو على مستوى المنظمات الأهلية يرتبط بعملية التقييم، وما يتلوها من تطوير للأداء والهياكل والسياسات. هذه المنظومة المتكاملة من شأنها تحديد المسؤوليات والأدوار في عملية التحول الاجتماعي والإصلاح الاقتصادي، كما أنها تُسهم في الحد من التوترات الاجتماعية الناتجة عن التفاوتات الاجتماعية الحادة وتعزيز فرص الاستقرار والأمن الاجتماعي. فإذا كان المطلوب هو تحويل المجتمع المدني إلى ما يشبه الحركة المجتمعية، وأن يدفع العمل الاجتماعي الجماعي، فلا بُد من أن تتوافر له بنية مؤسسية قوية قادرة على إعمال آليات الرقابة، والمُساءلة، وضمان فاعلية الشفافية، وأن يتوافر له أيضًا التمويل الذاتي؛ وذلك حتى يمتلك القدرة على الاستمرار والقيام بالمهام المنوط به القيام بها.

ثانيًا: خـريـطـــة الجـمـعـيـــات الأهـلـيـــة.. الملامح والدلالات

استنادًا إلى تلك الصعوبة وأهمية بناء قاعدة بيانات توفر الرؤية لصياغة سياسات عامة داعمة لخطط الشراكة بين القطاعات الثلاثة (الحكومي والأهلي والخاص) كفلسفة وعملية مستدامة، وليس مجرد تعاون وتنسيق في برامج بعينها، فمن الضروري هنا قراءة ملامح خريطة الجمعيات الأهلية مع انتهاء فترة توفيق الأوضاع مع القانون الجديد 149 لعام 2019 واللائحة التنظيمية، والخلوص إلى عدد من النتائج والدلالات المرتبطة بنمو الجمعيات ودورها ومسؤولياتها ومجالات عملها، نذكر منها:

1. تَقدَّم من الجمعيات الأهلية للتسجيل ولتوفيق أوضاعها نحو 34,444 جمعية ومؤسسة، توزعت ما بين 88% جمعيات، و11% مؤسسات، و0,8% كيانات مقيدة، سواء شركات أو هيئات، بجانب 93 مؤسسة واتحادًا نوعيًّا. 

2. الموافقة على نحو 26 ألف جمعية منها تتوافر فيها الشروط واستيفاء أوراق التسجيل، وبذلك يكون نحو 45,2% من إجمالي الجمعيات، هي من استطاعت أن توفق أوضاعها من إجمالي 57,600 جمعية ومؤسسة كانت مشهرة حتى 2020. 

3. شهدت الفترة الحالية إشهار 2700 جمعية لأول مرة، و40% من هذه الجمعيات سُجِّلت كجمعيات ذات أنشطة حقوقية ودفاعية، حيث يغلب على أنشطتها مجالات الأسرة والطفولة وذوي الإعاقة وحقوق الإنسان.

4. خريطة توزيع الجمعيات والمؤسسات الأهلية جغرافيًّا تشير إلى تصدر محافظات الصعيد؛ إذ بلغت نسبة التنظيمات الأهلية المسجلة نحو 41%، تليها محافظات القناة 16%.   

وتشير الملامح الأولية لخريطة توزيع الجمعيات الأهلية إلى أهمية استكمال بناء الخريطة المعرفية للتنظيمات الأهلية، وتوفير البيانات التفصيلية؛ للوقوف على حجم التطور والتغير في السمات والأدوار، ومن ثَمَّ تنامي القدرة على تشخيص الواقع ومواطن الضعف والقوة الخاصة بالمجتمع المدني ومنظماته.

ثالثًا: مـؤشــــرات قـيـــاس فـاعـلـيــة المجتمع المدني

تُعد بنية المجتمع ذاته محددًا رئيسًا لبناء مجتمع مدني؛ فعملية وضع استراتيجية لبناء مجتمع مدني فاعل تتم في إطار متكامل تحدده مجموعة سياسات عامة تشمل المجتمع بأسره، سواء عن طريق إعادة تكوين القوى الاجتماعية أو المستوى الفكري الضروري للعمل الثقافي والسياسي، وتُعد هذه السياسات ضرورة حتمية لإدارة التنافس والتناقضات المجتمعية. لذا، فإن المشكلة الأساسية تكمن في بنية المجتمع وليس في الدولة وأجهزتها فقط، وبالتالي لا يوجد أي تناقض بين فكرة تدعيم المجتمع المدني وبقاء الدولة كسلطة مركزية ومنظم لتفاعلات هذا المجتمع. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى مجموعة من المؤشرات والمعايير الدولية التي يمكن من خلالها قياس حدود فاعلية وقوة أي مجتمع مدني، مثل: المؤشر القانوني والسياسي، والمؤشر الثقافي، والمؤشر الاقتصادي والاجتماعي. وقد وقع اختيارنا في هذا التقرير على مؤشر المؤسسية؛ نظرًا لأهميته وحتميته لبناء منظمات أهلية أو منظمات مجتمع مدني قوية وقادرة على الاستدامة، وترسيخ منظومة من القيم الخاصة بالشفافية والمحاسبية والحوكمة. إن ما تطرحه قضية توفيق الأوضاع والخبرات السابقة تشير بدورها إلى أهمية إعطاء أولوية للأبعاد المؤسسية لمواجهة العديد من المظاهر السلبية مثل: الشخصنة، ومحدودية ثقافة العمل الجماعي، وتجاوز الشللية، ومتطلبات التخطيط والبناء المؤسسي، والعضويات المغلقة في بعض المنظمات، فضلًا عن إمكانية تطبيق مؤشرات قياس الفاعلية والأثر.  

مؤشر المؤسسية:

يُعد تأكيد السمة المؤسسية أحد المؤشرات البارزة لوجود مجتمع مدني قوي، وتتحدد هذه السمة وفقًا لتوافر أربعة معايير أساسية للحكم تدلل على مدى التطور الذي بلغته مؤسسة أو منظمة ما، وهي: القدرة على التكيف في مقابل الجمود، والاستقلال في مقابل التبعية والخضوع، والتعقد في مقابل الضعف التنظيمي، والتجانس في مقابل الانقسام. ويضم كل من المعايير الأربعة مؤشرات فرعية يمكن من خلالها دراسة خصائص المجتمع المدني، وذلك فيما يلي:

أـ القدرة على التكيف:

يقصد بذلك قدرة المؤسسة على التكيف مع التطورات في البيئة التي تعمل من خلالها، فكلما ارتفعت درجة التوافق مع الإطار المحيط زادت درجة فاعليتها. وهنا يمكن الإشارة إلى ثلاثة مستويات من التكيف أو التوافق مع المجتمع:

المستوى الأول يتعلق بالزمن، فهناك علاقة ارتباطية واضحة بين طول الفترة الزمنية للمنظمة الأهلية ودرجة مؤسسيتها. أما المستوى الثاني فيرتبط بتعاقب الأجيال وقدرة المؤسسة على تجاوز مشكلة تداول السلطة الداخلية واستمرارها مع تعاقب الأجيال؛ إذ تعكس هذه الاستمرارية بالإضافة إلى الدرجة العالية من المؤسسية مرونة واضحة في مواجهة متطلبات التطور الاجتماعي والاقتصادي. في حين يستند المستوى الثالث من المؤسسية إلى درجة الوظيفية، وقدرة المنظمة الأهلية على إجراء تعديلات في أنشطتها. 

ب ـ الاستقلال:

ترتبط درجة استقلال مؤسسات المجتمع المدني عن الدولة بالقدرة على توافر عدد من العوامل التي يمكن قياسها من خلال عدة مؤشرات، منها:

(1) نشأة مؤسسات المجتمع المدني، وحدود تدخل الدولة في هذه العملية، فالأصل هو أن تتمتع المؤسسات بهامش من الاستقلالية عن الدولة. 

(2) الاستقلال المالي: ويظهر ذلك من خلال تحديد مصادر تمويل مؤسسات المجتمع المدني والوزن النسبي للجهات الممولة؛ وذلك لتحديــد مـا إذا كانت تتلقى جــــزءًا من الـدولـــة أو بعض الـجـهــــات الخارجية، أم تعتمد بصورة كاملة في التمويـــل الذاتي على مـســــاهمات الأعضاء في شكل رسوم العضوية أو التبرعات أو عـوائـــد بـعـض أنـشـــطـتـهـا الـخـدمـيـــة أو الإنتاجية؛ حيث يُعد التأسيس الاقتصادي أهم عناصر الاستقلالية، كما أنه يشكل إطارًا للحركة السياسية المستقلة، وعنصرًا من عناصر استمراريتها.

(3) الاســتقلال الإداري والتنظيـمــي: يشير إلى مدى استقلال مؤسسات المجتمع المدني في إدارة شؤونها الداخلية طبقًا للوائحها وقوانينها الداخلية، بعيدًا عن تدخل الدولة، وبالتالي انخفاض درجة تبعيتها للسلطة التنفيذية. وفي هذا السياق، يمكن رصد بعض الإجراءات التي تعزز من استقلالية مؤسسات المجتمع المدني، والتي تتمثل في:

إيجاد قواعد واضحة للاتصال والتفاعل بين مؤسسات المجتمع المدني.

التكافل بينها من خلال قواعد للتضامن والتماسك كأولوية ضمن مكونات حركتها.

تأسيس قواعد لعملية الممارسة الداخلية، تعتمد على تعزيز قيم الشفافية وتجنب الفساد والانحراف والاستبداد، وذلك لأن فساد التكوينات الداخلية للمؤسسة سوف يؤدي إلى ضعفها، وبالتالي سهولة اختراقها داخليًّا وخارجيًّا.

جـ ـ الـتـعـقـــــد:

أي تعدُّد المستويات الرأسية والأفقية داخل المؤسسة، بمعني تعدد هيئاتها التنظيمية من جانب، ووجود مستويات إدارية داخلية من جانب ثان، وانتشارها جغرافيًّا على أوسع نطاق ممكن داخل المجتمع من جانب ثالث. فالمؤسسة التي يكون لها أهداف عديدة تكون أكثر قدرة على تكييف أوضاعها حين تفقد أيًّا من أهدافها، وبالتالي تتنوع بدائلها لتحقيق الهدف النهائي.

د ـ الـتـجـانـــس:

ويُقصد به عدم وجود صراعات داخل المؤسسة ذاتها، تؤثر على نشاطها. فكلما كان مرد الانقسامات بين قيادات المؤسسة إلى أسباب جوهرية تتعلق بنشاط المؤسسة، وكانت طريقة تسوية الخلافات سلمية، كان ذلك مؤشرًا على تطور المؤسسة. وفي المقابل، كلما كان مرد الخلافات والانقسامات إلى أسباب شخصية، وكان أسلوب تسويتها عنيفًا، كان ذلك مؤشرًا على ضعف المؤسسة. فتجانس المؤسسة

لا يعني تحولها إلى تشكيل جامد لا يوجد به تباينات، بل إن هناك أهمية لتلك التناقضات والتعددية كدافع لحركة المنظمة، وبالتالي حركة منظمات المجتمع المدني، وقدرتها على الإبداع والتغيير في المجتمعات. كما أن تلك التناقضات لا تعني وجود تجانس بشكل كامل، فكلما زادت أنماط العلاقات القائمة على أسس التعاون والتنافس، اعتُبِر ذلك مؤشرًا على حيوية المجتمع المدني بالمعنى الإيجابي.

هذا وتشير الخصائص الأربع السابقة إلى أهمية التعرف على الخريطة المؤسسية لأي مجتمع كأمر حتمي لتحديد فاعليته وقوة تأثيره إلى جانب تحديدها للتكوينات الاجتماعية. الأمر الذي يقتضي دراسة هذه المؤسسات من جميع النواحي المحددة لفاعليتها، مثل: حجم العضوية، وأعداد المؤسسات، والخصائص الذاتية، ودرجة الاستقلال، ودرجة التضامن، وإلى غير ذلك من المؤشرات الكاشفة عن تناقضات واقع منظمات المجتمع المدني المصري، وكثرة الحديث عن رهانات تتجاوز رؤيتها وأدوارها.

فبإعمال الخصائص السابقة على الواقع الحالي قبل القانون الجديد وعملية توفيق الأوضاع، يمكن الوصول إلى عدد من النتائج التي توضحها بعض الدراسات المحلية الميدانية، نذكر منها: افتقار غالبية المنظمات إلى هيكل إداري ومالي قوي، وضعف الثقافة المؤسسية الداخلية، وعدم الاهتمام بمعرفة اللوائح والأطر التنظيمية الداخلية، والتزام أعضاء الجمعيات بتسديد قيمة اشتراكاتهم لا يتحقق سوى بنسبة 60% تقريبًا في أحسن الأحوال، فضلًا عن محدودية الجمعيات التي تمتلك حسابات منتظمة، إلى جانب افتقارها إلى الموظفين المتفرغين أو المتطوعين المؤهلين؛ مما يعوق عملها، ويجعلها غير قادرة على تنمية مواردها أو تحقيق التعاون الفعال مع مجتمعاتها المحلية أو مع المؤسسات الحكومية، يُضاف إلى ذلك غلبة الشخصنة على عمل الجمعية، بمعنى أنها ترتبط بأشخاص بعينهم (في العادة هم المؤسسون أو في بعض الأحيان تقتصر على شخص رئيس الجمعية)، كما تشير مبررات الحل الإداري للجمعيات الأهلية إلى أن عدم انتظام عقد الجمعية العمومية يشكل نسبة كبيرة من مبررات الحل. كذلك الحال بالنسبة لمسألة «دوران النخبة» أو تغيُّر القيادات في مجالس إدارات عدد كبير من الجمعيات؛ إذ يتسم بمعدل تغيير محدود جدًا.

وختامًا، يمكن القول بأن حالة غالبية المنظمات الأهلية، وما يكتنفها من سمات ضعف مؤسسية، كما أظهرتها عدم قدرة ما يزيد على 50% من الجمعيات الأهلية على توفيق أوضاعها، يفرض أهمية مواجهة سمات الضعف هذه من جانب الجهة الإدارية المنوط بها تنظيم عمل الجمعيات الأهلية، ومن جانب المنظمات نفسها، حتى يمكن أن تتوافق أدوارها مع متطلبات اتساع أجندتها الرعائية والتنموية، والدخول في مرحلة المشاركة في صياغة أولويات القضايا والاحتياجات، استنادًا إلى أجندة الدولة التنموية، وتعميقًا لمجالات عملها تجاه قضايا الفقر والتنمية الاجتماعية والاقتصادية؛ فالاهتمام ببناء القدرات وتنميتها على المستوى الفردي أو المستوى المؤسسي أمر لا مفرَّ منه إذا ما أردنا تعظيم مسؤوليات وأدوار المنظمات الأهلية في مصر.

تقييم الموقع