IDSC logo
مجلس الوزراء
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

تشكيل الذات الشبابية في عوالم الأفكار المفتوحة

 الخميس. 11 أغسطس., 2022

تشكيل الذات الشبابية في عوالم الأفكار المفتوحة

إن الحديث عن مجتمع رقمي في المستقبل يدفعنا للحديث عن قاطني هذا المجتمع؛ وهم عبارة عن مجموعة سكانية عالمية مميزة من الشباب الذين أبصروا النور في العصر الرقمي وترعرعوا على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في حياتهم اليومية، واستفادوا الاستفادة القصوى من الإمكانات الاتصالية والتربوية للموارد التقنية، وأصبحوا قادرين على إنتاج المعرفة، ويشار غالبا إلى هؤلاء السكان الموصولين بالشبكات بالمواطنين الرقميين. فالرقميون قادمون لا محال في غضون سنوات قليلة بعد أن تسيطر التقنية المتقدمة على نظام الحياة اليومية للجميع بدون استثناء وتذوب الفوارق بين الأجيال، خاصة في العالم النامي وبشكل أكبر مع تلك الحواسيب المحسنة والمتطورة في المكاتب والهواتف والآلات المعقدة في المصانع، ويتوقع أن شباب اليوم الذين يصلون إلى "عالم المعرفة" بأصابعهم، في حاجة إلى مدرسة أخرى غير المدرسة التقليدية، مدرسة تتحدث "لغتهم" على أقل تقدير، وفي حاجة إلى تدريب وتعليم وتأهيل وتوجيه يوفر لهم الأمن والأمان، ويساعدهم على الابتكار والإبداع والاندماج النشط الفعال. والسؤال الآن هو: متى يمكننا الحديث عن شباب عربي رقمي؟ وهل مجتمعاتنا العربية قد وفرت لها البيئة الملائمة لولوج هذا العالم والإسهام فيه بفاعلية (استخداما وتوطينا وإنتاجًا)؟

إن الشباب فئة مهمة في مجتمعاتنا العربية؛ حيث يمثل جيل الشباب الحالي أكبر كتلة شبابيّة تشهدها المنطقة على مدى السنوات الخمسين الماضية، إذ يكون 30% من سكّانها الذين يبلغ عددُهم ما يزيد على 420 مليونَ نسمة (1). وتستطيع البلدان العربية تحقيقَ طفرة حقيقية ومكاسب كبيرة في مجالي التنمية، وتعزيزَ الاستقرار، وتأمينَ هذه المكاسب على نحوٍ مستدام إذا تبنَّت سياساتٍ تُعطي الشبابَ حصةً يستحقونها في تشكيل مجتمعاتِهم وتَجعلهم محطَّ الاهتمام - سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا. هذا إلى جانب الوقوف على الإمكانات المستقبلية وتوجيه الشباب لها، بحيث يتحول الشباب من عبء على أوطانهم إلى فرصة، من خلال بناء قدراتهم ومهاراتهم وتوسيعِ الفرص المتاحةِ لهم، واستثمار قوتهم وتوجيهها الوجهة السليمة. إذ يشكل الشباب طاقة مجتمعية ضخمة قادرة على إعلاء البنيان الاجتماعي والمحافظة على استقراره؛ إذا أحسن استثمارها والاستفادة منها (2). وتأكيدا لما سبق؛ فمنذ عام 1985م أعلنت الجمعية العامة للأمــم المتحدة أن عام 1985م هو "السنة الدولية للشباب: المشاركة والتنمية والسلام"، وهو ما لفت الأنظار إلى الأهمية المتزايدة لدور الشــباب على الصعيــد المحلي في مجتمعاتهم. 

إن العالم الذي ينمو فيه الشباب يتغير بطرق عدة، نتيجة للعولمة وعمليات أخرى لإعادة الهيكلة؛ خصوصا مع الاستخدام المتزايد بسرعة لتكنولوجيا المعلومات وأدوات الاتصال، والانفتاح الواسع على مجتمعات المعرفة وعوالم الأفكار؛ مما يعني أن الشباب يعيشون الآن بشكل متزايد في "مجتمع محفوف بالمخاطر"، حيث يكون الأفراد أقل اعتمادًا على دعم المؤسسات التقليدية، مثل الأسرة والمؤسسات التعليمية، وأكثر اعتمادًا على فضاءات الحرية التي وفرتها وسائل الاتصال الحديثة والتي لم يكن لها شبيه في أحلام الحالمين. يعيش الشباب بحق عصر التحديات والفرص غير المسبوقة بدءًا من التهديدات والمخاطر التي يشكلها التحول التكنولوجي، وصولا إلى التحولات المجتمعية الناتجة عن استخدام التقنيات الناشئة وعمليات رقمنة المجتمعات. ومما لا شك فيه، أن وتيرة هذا التحول والتغيير تسير على نحو مذهل وبسرعة هائلة يتعذر على العقول أن تلاحقها وتواكبها إلا بعد رهق شديد؛ فالمد آخذ في الارتفاع أكثر من أي وقت مضى؛ مكتسحا أمامه الأسس التي ترتكز عليها بنية المجتمع، وبخاصة مع هذا التقدم التكنولوجي غير المسبوق الذي يضع العالم أمام مشكلة حقيقية هي "كيف يخلق لشبابه (صناع المستقبل) المناخ الملائم لبعث روح الابتكار والاختراع فيهم". 

وقد تكون مشكلة شبابنا العربي – على وجه الخصوص - هي، كيف يخرج من حالات الشد والجذب، واللايقين، وعدم الشعور بالأمان، واللامعيارية، والسخط، والتشاؤم ...الخ؛ حيث يشده المجتمع التقليدي بثقافته وأفكاره إلى التمسك بما أخذت قوائمه تتداعى وتنهار؛ ويجذبه العالم الرقمي الجديد إلى فضاءات مفتوحة وعوالم من الأفكار المليئة بالتحديات، والحريات، والفرص والمخاطر، وأساليب من التعايش بررت الظروف استخدامها اليوم، لم تكن موجودة بالأمس. كيف يحيا شبابنا حياة الحرية التي يفرضها عليه الواقع الجديد، أيحياها بأن يطلق لنفسه العنان يعيش كما يحلو له العيش، فتضيع هويته في هوية سواه؟ أما يحياها ملتزما بهويته ومبادئه وأهدافه، متمسكا بجذوره العربية؟ ومن البديهي أن هذه الحيرة التي يعاني منها شبابنا العربي تحتاج منا جميعا إلى وقفة نحاول فيها أن نصلح ما اعوج ونمهد الطريق لشباب الغد ونصنع لهم مكانا في مجتمعات المستقبل؛ لا يفرض عليهم بل يكونوا هم صناعه(بأعيننا). كيف نوجه الشباب إلى استغلال الفرص وقبول التحدي؟ كيف نخرجهم من نمط المعيشة الاستهلاكي، إلى أسلوب حياة منتج ومبتكر ومبدع؟  ومن أي زمن نبدأ التوجيه؛ هل من الماضي أم الحاضر أم المستقبل؟ أم ندمج الأزمنة معا لنشكل تركيبة قوية نبني عليها الحياة المنشودة لشبابنا؟ 

كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير تشكل في جوهرها الفكرة الأساسية والهدف المحوري لهذا المقال، الذي يتأسس على سؤال رئيس مفاده "كيف يتم توجيه الشباب نحو استغلال الإمكانات المستقبلية في ظل عالم مفتوح من الأفكار؟". وفي ضوء ذلك تم وضع مجموعة من المحاور التي نصبو أن تفي بالغرض من هذا المقال.

أولا: الـشــــبـاب فـي عــــــالـم الأفـكــــــــار والإمكانات المستقبلية

يصعب الحديث عن عمليات لتوجيه وإرشاد الشباب من خلال العمل على تشكيل الذات الشبابية الواعية والقادرة على الحفاظ على نفسها وصناعة مستقبلها، ومعرفة حدود ذاتها وإمكاناتها، دون الوقوف بادئ ذي بدء على ماهية هذا المجتمع المستقبلي الذي سنوجه الشباب إليه، وما مخاطره وفرصه وتحدياته؟ وما العواقب المترتبة على تشكيل وإعادة تشكيل الفرص والمخاطر الشخصية والاجتماعية في حياة الشباب في العقود القادمة؟ وما آليات تحفيز الشباب؟ وكيف يمكن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التربية المدنية للشباب؟ وهل الأساليب الإعلامية الجديدة مطلوبة لإعادة التواصل مع اهتمامات ثقافة الشباب المعاصرة؟ وما أساليب مواجهة المواطن/الشاب الساخط المتشائم؟ ومن ثم نحاول عبر هذا المحور الوقوف على مفهوم مجتمع المستقبل وفرصه وتحدياته ومخاطره. 

1. نحو مقاربة لمفهوم مجتمع (مجتمعات) المستقبل

منذ ما يربو على أربعين عاما كتب المفكر المصري زكي نجيب محمود كتابا بعنوان "مجتمع جديد أو الكارثة" (1978م). موضحا أنه كلما ازدادت القدرة على حساب المستقبل ورؤيته قبل وقوعه، على أسس علمية صحيحة في رصد الوقائع، وفي استدلال النتائج، نقصت الأوهام والمخاوف. فالمستقبل المدروس المحسوب، يصبح كالحاضر مرئيًّا للعين، فيخطو السائرون إليه وهم على علم بمواضع أقدامهم، إذ يتحول الأمر عندئذٍ إلى كتاب مفتوح (3). وها نحن الآن نعيش في مجتمع المستقبل؛ فنحن نعيش في خضم ثورة رقمية؛ انتشرت فيها التكنولوجيات الجديدة منها الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، وسلسلة كتل البيانات، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، والتعلم الآلي، والتطبيقات المتنقلة، والتكنولوجيا النانوية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وغيرها. وسوف يؤدي ذلك إلى إحداث تغيير عميق في حياتنا اليومية، مما يغير بشكل جذري كيفية استهلاكنا وإنتاجنا وعملنا. وكما هو الحال في كل التغييرات التحولية، فإنها تتيح لنا فرصة كبرى - ولكنها تنطوي أيضًا على تحديات مهمة (4). حيث أصبحت هذه الكلمة السحرية "المعرفي" و"الرقمي" و"الافتراضي" و"الذكي"، التي كثيرا ما يستخدمها الكاتبون، ليلخصوا بها أهم خصائص هذا العصر الذي كتب علينا أن نعيش فيه، وإن أخشى ما أخشاه هو أن يكون كل نصيبنا من عصرنا مقصورا على الوقوف عند هذه الألفاظ بحروفها ومقاطعها، وأما العصر نفسه فمؤصدة أمامنا أبوابه دون الدخول فيه لندب على أرضه، ونغوص في مائه، ونشق سماءه (5).

فما هو مجتمع/ مجتمعات المستقبل؟ في العشرين إلى الثلاثين عامًا الماضية، تم الإعلان عن مجموعة من المصطلحات التي تم دمجها في الخطابات العامة والكتابات الأكاديمية والصحافة اليومية، وقادها المجتمع العلمي الدولي حول ماهية مجتمع المستقبل؛ فمال البعض إلى تسمية مجتمع المستقبل بـ "مجتمع المخاطر"  Risk Society وهو المصطلح الذي تمت صياغته في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت شعبيته خلال التسعينيات نتيجة لارتباطاته بالاتجاهات في التفكير حول مفهوم الحداثة الأوسع، وكذلك لارتباطاته بالخطاب الشعبي، ولا سيما المخاوف البيئية المتزايدة خلال هذه الفترة، ويعرف مجتمع المخاطر/المخاطرة بأنه هو الطريقة التي ينظم بها المجتمع الحديث استجابته للمخاطر، أو هو مجتمع ينشغل بشكل متزايد بالمستقبل (وأيضًا بالأمان)، والذي يولد فكرة المخاطرة"، بينما يعرّفه عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك بأنه "مجتمع منهجي" وطريقة للتعامل مع الأخطار وأوجه عدم الأمان التي يسببها التحديث نفسه(6). وهو مجتمع ساخط على تبعات الحداثة السلبية، يبحث في كيفية إدارة المخاطر والأخطار، والوقاية والعلاج معا. وهو ما أوضحه في كتابه "مجتمع المخاطرة" الذي ألفه سنة 1986 مشيرا إلى أن مجتمعات النصف الثاني من القرن العشرين باتت مرغمة على مواجهة سلبيات الحداثة وإيجاد الحلول والبدائل المناسبة لمجابهة تحدياتها وإدارتها وهو ما أسماه بـ "عقد المخاطرة"، والذي يشير إلى مدى القدرة على التحكم في التهديدات والأخطار الناجمة عنها. 

ويميل بعض الباحثين إلى تعريف مجتمع المستقبل بأنه "مجتمع المعرفة" Knowledge Society، أو "مجتمع المعلومات"information society. فمجتمع المعلومات هو المجتمع الذي يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على المعلومات وإدارتها (إنتاجا ونشرا واستخداما) كمورد استثماري؛ بغرض تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة للمجتمع، متوسلا في ذلك بالتقنية الحديثة للمعلومات. في حين يقصد بـ "مجتمع المعرفة" توافر وتشجيع مستويات متقدمة من البحث العلمي والتكنولوجيا التي توفر المادة المعرفية لجميع أفراد المجتمع بلا استثناء وبدون تمييز. ويعد مفهوم المجتمع المعرفي أوسع نطاقًا من المجتمع المعلوماتي، لذا، فإن سياسة إنتاج المعلومات تضع اللبنة الأساسية لبناء مجتمع معرفي، فالمعلومات هي التي تعزز قوة الأنشطة المعرفية لتكون أكثر العوامل تأثيرًا في منظومة الإنتاج المتقدم، وتشكل المعلومات جزءًا من الثورة المعرفية التي تقوم على العلم والتقدم والتكنولوجيا (7). 

ويرتبط بمفهوم مجتمع المعرفة مفهومان هما؛ مفهوم "المجتمع الرقمي" Digital Society أو "المجتمع الافتراضي" virtual society و"المجتمع الذكي" Smart Society. ويشير المجتمع الرقمي إلى ذلك المجتمع الذي يعيش ويتفاعل أفراده مع بعضهم البعض في الواقع الافتراضي، وفي هذا المجتمع هناك اقتصاد جديد هو الاقتصاد الرقمي، وهناك سياسة جديدة هي السياسة الرقمية، وحروب من نوع آخر أشد وأقسى هي الحروب الرقمية، وهناك ثقافة أخرى، وعلاقات إنسانية وعاطفية متشابكة ومختلفة كل الاختلاف عما يجري في العالم الواقعي. ويشير مفهوم المجتمع الافتراضي/الرقمي إلى " مجموعة من الناس الذين يتفاعلون في المقام الأول عبر وسائل الاتصال مثل، الرسائل الإخبارية والهاتف والبريد الإلكتروني والشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت أو الرسائل الفورية دون الاعتماد على علاقات الوجه إلى الوجه"، وأصبحت الافتراضية والمجتمعات عبر الإنترنت شكلًا جديدًا للاتصال بين الناس الذين يعرفون بعضهم بالدرجة الأولى في الحياة الحقيقية ويعبرون عن علاقاتهم الاجتماعية من خلال علاقات اجتماعية رقمية حقيقية Life Digital Real. إن المجتمعات الافتراضية أو الرقمية هي شكل جديد من أشكال التجمعات الاجتماعية المستندة على التكنولوجيا. أما "المجتمع الذكي" فهو مجتمع يمكن للتكنولوجيا الرقمية، التي تنشرها الحكومات بعناية، أن تحسن من ثلاث نتائج واسعة: رفاهية المواطنين، وقوة الاقتصاد، وفعالية المؤسسات؛ و"المجتمع الذكي هو المكان الذي توجد فيه إمكانات "أسرع وأرخص وأصغر"(8)؛ وهو المجتمع الذي تستخدم فيه التكنولوجيا لتشكيل عالم أفضل. لذا، فإن التفكير في مجتمع ذكي ينطوي على مناقشة تتجاوز التكنولوجيا؛ فالمجتمع الذكي هو الذي يولد المعرفة ويستخدمها ليكون أكثر نجاحًا. ومن ثم فالمجتمع الذكي يسخر بنجاح إمكانات التكنولوجيا الرقمية والأجهزة المتصلة واستخدام الشبكات الرقمية لتحسين حياة الناس.

وبعد، لقد مرت علينا جميعا المفاهيم السابقة، وغيرها الكثير، التي حاولت تحديد ملامح لمجتمع المستقبل، فما هو خط السرد الأساسي الذي يجمع كل هذه المعاني في تصور عام متشابك ومترابط يعيش الشباب في تناقضاته ورموزه وتوازناته ومخاوفه وآماله وطموحاته الخافية والظاهرة. نحاول فيما يلي رصد هذه الترابطات بين المفاهيم لكي ننسج ونحدد الخصائص الرئيسة لمجتمع المستقبل. فجميع المفهومات السابقة تؤكد أن هذا المجتمع يتصف بما يلي:

لا يتشكل مجتمع المستقبل وفقا للمؤشرات التكنولوجية الرقمية المرئية فقط، ولكنه يشمل البنية الاجتماعية بأكملها ويعيد تشكيلها. 

في مجتمعات المستقبل يسعى الجميع، بمن فيهم الشباب، إلى السعادة لا الكمال؛ حيث يتم تعزيز ثقافة جديدة يتم فيها التعرف على أن السعادة لا تعتمد على مطاردة "الأفضل" في شيء ما، بل تعتمد على إيجاد ما هو "جيد بما يكفي" لتلبية احتياجات الفرد ورغباته. فالسعي وراء التميز هو مسألة اختيار شخصي. 

في مجتمع المستقبل يحدد الخوف الإحساس بالحياة؛ ومن ثم تحتل مسائل الأمن والحريات والمساواة المراكز المتقدمة في سلم الأولويات؛ مما يؤدي إلى تغليظ القوانين وحدتها.  

طفرات في الترشيد التكنولوجي والتغيرات في العمل والتنظيم، والتغيرات في نمط الحياة وأشكال العلاقات الحميمية، والتغيير في هياكل السلطة والتأثير، في أشكال القمع السياسي والمشاركة في وجهات نظر الواقع وقواعد المعرفة. 

توطين العلم وتشجيع البحث العلمي وبناء قدرات ذاتية للبحث والابتكار، مع اعتبار النفاذ إلى المعرفة هو السبيل الوحيد لإنتاج المعلومات ومفتاح الإبداع والابتكار والتطوير.

تتعامل مجتمعات المستقبل مع نسق قومي اجتماعي مغلق محدد الأبعاد وواضح المعالم بل تؤكد تفتت النسق القومي؛ إذ إن حدود هذه المجتمعات تخطت حدود الدولة القومية والنسق القومي لتلحق بنسق عالمي جديد هو الفضاء الرمزي السيبراني.

تجمع مجتمعات المستقبل بين الفكر الفلسفي الحداثي وما بعد الحداثي؛ فالبنية التكنولوجية والاتصالية التي تدعم هذه المجتمعات وتمثل بنيتها التحتية هي نتاج للفكر الحداثي الذي يؤمن بالعقلانية والنظام والمنطق والتقدم العلمي ومعنى التاريخ، بينما تعد البنية الاجتماعية والتفاعلية بين أعضاء هذه المجتمعات تجسيدا واضحا لفكر ما بعد الحداثة في كثير من جوانبه كنقد الحقيقة والعلم ونفي الثنائيات والانقسام والتشظي الثقافي والاجتماعي والسياسي.

أن مجتمعات المستقبل هي تجمعات اجتماعية لأفراد ذوي هويات افتراضية، يتسمون بملامح رئيسة من أهمها؛ أن لهم مطلق الحرية في الاختيار وفق خصائص تظهر كشخصية حوارية عبر قنوات شبكة المعلومات الدولية، ولها هوية قابلة للتغير والتبدل في أي لحظة وفق اختيارات الفرد نفسه، كما أنها قابلة للتغير والتبدل أيضا بفعل أطراف أخرى كشخصيات افتراضية.

أن ثقافة مجتمع المستقبل هي ثقافة افتراضية؛ تختلف في سماتها وخصائصها عن السمات والخصائص المألوفة للثقافة في المجتمعات الطبيعية؛ فهي خليط ثقافي رمزي رقمي، يصعب تحديد مصادرها وصدق خلفياتها العلمية، تركز على الجوانب الفكرية والروحانية والخيالية والإبداعية من ثقافات الشعوب، تنمو وتتطور بشكل متسارع وفي اتجاهات مختلفة ومتعاكسة.

أن لمجتمع المستقبل عقلا جامعا للعقول الافتراضية المتفاعلة داخلها وهو العقل الجمعي الافتراضي، وهو يختلف عن العقل الجمعي الطبيعي في كونه: أكثر عمومية ومن ثم أكثر تعقيدا، أكثر حركية، وأسرع تطورا، تمثيلاته ليست ذات طبيعة إنسانية صرفة.

أن المجتمعات الافتراضية تقوم على التحلل من قيود الجبر والإلزام؛ فالفرد يتحلل من قيود الزمن وحدود المكان، كما يتحلل من قيود وجوده الجسماني من قيود المسؤولية والأدوار الاجتماعية والوظيفية التي يلتزم بها في إطار وجوده الاجتماعي الطبيعي، بالإضافة إلى التحلل بقدر كبير من القيود السياسية والدينية والأخلاقية والعادات والتقاليد المجتمعية.

كل ما تبقى الآن هو معرفة ما إذا كانت حضارتنا قادرة على تحقيق مجتمعات ذكية؟ وهل شبابنا قادر على مواجهة التهديدات والتحديات واستغلال الفرص التي توفرها مجتمعات المستقبل؟ وما المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تواجه شبابنا أثناء رحلة الذهاب إلى مجتمعات المستقبل؟

2. الشباب في مجتمع المستقبل بين التهديدات والتحديات والفرص

(أ‌) العولمة الثقافية والاختراق الثقافي: تهديد أم فرصة للشباب

من أهم التهديدات التي يواجهها الشباب في مجتمعات المستقبل ما يتعلق "بالعولمة الثقافية"؛ والتي تعرف بأنها إيجاد مكون ثقافي عالمي، وفرضه كنموذج ثقافي، وتعميم معاييره وقيمه على العالم أجمع، حيث ترتبط العولمة الثقافية بفكرة التنميط أو التوحيد الثقافي للعالم من خلال استغلال ثورة وشبكة الاتصالات العالمية والتقنية والتجارية والثقافية النابعة من الغرب، مما يؤدي إلى توحيد القيم حول الرغبة والحاجة وأنماط الاستهلاك في الذوق والمأكل والملبس، وتوحيد طريقة التفكير والنظر إلى الذات وإلى الآخر. وهذه هي الثقافة التي تدعو العولمة إلى توحيدها (9). ومن ثم فإن العولمة الثقافية تستند إلى مفهوم الشمولية أي "ثقافة بلا حدود" تفضي إلى تعميم نموذج ثقافي على جميع المجتمعات. وعلى الرغم من احتواء هذا النوع من العولمة على بعض الجوانب الإيجابية، فإنها بما تتضمنه من معاني الاختراق الثقافي وطمس الهويـة الثقافيـة وغزو العقول، والتلاعب بمـدركات الجمهـور المستهدف (الشباب بخاصة) والتأثير في سلوكه، من أجل تهيئة السوق للمنتجات الغربية، وللثقافة الاستهلاكية فقط. ذلك أن التأثير الثقافي وحده هو من يستطيع تحقيق هذا الهدف عن طريق التلاعب بالنظام القيمي، وإزاحة قيم وإحلال قيم أخرى بدلا منها، وإيجاد ثقافة عالمية لها قيم ومعايير ثقافية غريبة عن معاييرنا الثقافية العربية. حيث إن الهدف النهائي للعولمة الثقافية هو السيطرة على الإدراك، وبهذا الهدف يتم إخضاع النفوس، أي تعطيل فاعلية العقل، وتكييف المنطق وتشويش القيم، وتوجيه الخيال، وتنميط الذوق، وقولبة السلوك(10). 

(ب‌) التكنولوجيا الرقمية هل ستغير حياتنا بشكل كبير؟ 

إن أمر العولمة بوسائطها التكنولوجية الاتصالية الرقمية الجديدة صار شبيها بالحوادث الطبيعية التي لا قدرة لنا على ردها والوقوف بوجهها، أي أنها نتيجة حتمية لتطور تكنولوجي اتصالي رقمي واقتصادي ليس بوسعنا إلا الإذعان له؛ فالتكنولوجيا الرقمية ستغير حياتنا بشكل كبير. ستؤدي الابتكارات المختلفة إلى رقمنة النشاط الاقتصادي. ومع النمو المتسارع للعولمة والثورة في مجال الاتصال وتعدد وسائلها وتنوعها، أصبحت ما اصطلح عليه بثورة المعلومات المصاحبة للعولمة حقيقة طاغية في مختلف جوانب حياة الإنسان المعاصر، كما أصبحت قوة مثيرة لا يستهان بها في كل مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. لأن هذه الثورة العلمية التكنولوجية الحديثة ذات خصائص محددة وصفات معينة، فهي ليست مجرد آلات وأجهزة، تكنولوجية، وإنما هي عقلية جديدة وتقنيات جديدة كان لها انعكاساتها على ثقافات الشعوب والمجتمعات. ووفقًا لمسح عبر الإنترنت بشأن المجتمع المستقبلي في عام 2050 أجراه معهد ميتسوبيشي للأبحاث، من المتوقع أن يستخدم المستهلكون المساحات الرقمية لـ 50-70٪ من أنشطتهم الاقتصادية اليومية.  ومن المتوقع أيضًا أن تزيد التكنولوجيا الرقمية من وقت الفراغ من خلال أتمتة automation الأعمال المنزلية (الأتمتة تحويل الشيء إلى أوتوماتيكي) وتقليل أوقات التنقل. كيف يختار الشباب قضاء وقت الفراغ، مثل الهوايات والسفر والأنشطة الاجتماعية، سيصبح سؤالًا مهمًا في السعي وراء حياة مرضية.

كما ساهمت شبكة الإنترنت في ظهور طرق حديثة للتعليم والتعلم منها، التعليم الافتراضي واحتلت الفصول الافتراضية مكانة متميزة وواضحة بين أنواع التعليم الإلكتروني الأخرى وظهور ما يسمى بالواقع الافتراضي والمعلم الافتراضي والمكتبة الافتراضية، وأصبح كل ذلك من السمات الأساسية للتعليم الإلكتروني (الفصول الإلكترونية – الفصول الذكية – فصول الشبكة العالمية للمعلومات – الفصول التخيلية – فصول التعليم عن بعد – الفصول الاعتبارية)؛ الذي لعب دورًا كبيرًا في تعزيز التعلم الافتراضي من خلال الوسائط الإلكترونية الحديثة مثل، مواقع الويب، والبريد الإلكتروني.

(جـ) تحديات الشباب أمام مجتمع المعلومات العالمي وتكنولوجيا الاتصال

يشهد العالم في بدايات هذه الألفية الثالثة تحولات عديدة؛ بسبب الانتقال من نموذج المجتمع الصناعي إلى نموذج جديد يطلق عليه مسمى" نموذج مجتمع المعلومات العالمي". فالمجتمع الصناعي دار دورته ثم وصل إلى منتهاه في صورة انتقالية عرفت بالثورة المعرفية الحديثة في مجال العلم والتكنولوجيا؛ فأصبح العلم لأول مرة مصدرًا أساسيًّا من مصادر الإنتاج وتعاظمت قدرة تكنولوجيا الاتصال على تجاوز الحدود السياسية، والنفاذ عبر الثقافات، وأتاحت تكنولوجيا الاتصال التفاعلية واللاتزامُنية، وقابلية التوصيل والشيوع والكونية. ومع تقدم التكنولوجيا الرقمية وانتشارها في المجتمع، سيظهر في المقدمة تحدي جديد مفاده "التكنولوجيا مقابل الأخلاق". ومع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي، ستزداد أهمية أن ينظر المجتمع الدولي في وضع القواعد العامة التي تقيد التطور التكنولوجي الخبيث malicious technological؛ حيث يجد الأشخاص ذوو القيم المماثلة سهولة في العمل معًا، فتميل خدمات ترشيح المعلومات بواسطة خوارزميات التحسين المطبقة في محركات البحث وSNS مثلًا إلى عرض المعلومات فقط من هؤلاء المستخدمين القريبين من بعضهم البعض، أو الذين لديهم آراء مماثلة (فقاعة التصفية). نتيجة لذلك، يتم تشكيل شبه مجتمع رقمي، حيث يوجد الأشخاص ذوو الآراء والأفكار المتشابهة معًا. ومن ثمّ فإن قصر التواصل على مجتمع من الأشخاص ذوي التفكير المماثل لا يقوي الآراء فحسب، بل قد يؤدي أيضًا إلى تفاقم التحيز (غرفة الصدى echo chamber).

إننا نواجه تحديات غير مسبوقة - اجتماعية واقتصادية وبيئية - مدفوعة بالعولمة المتسارعة وبالتطورات التكنولوجية. في الوقت نفسه. نشير هنا إلى التغيرات التي حدثت في أنساق القيم، وطبيعة المؤثرات التي يتعرض لها الشباب المعاصر؛ حيث تؤكد البحوث نمو الميول الفردية والنزعات المادية في مقابل ضمور الميول الجماعية والنزعات المعنوية. كما تؤكد أن الشباب لو ترك وشأنه للمؤثرات المعاصرة ذات الطابع الرقمي والتي تعمل على تأطير عقولهم على نحو يبعدهم عن المجتمع، ويحمل عقولهم بنماذج العنف، ويؤدي إلى أن يصبح العنف أمرًا طبيعيًا ومألوفًا في حياتهم، ويؤجج الغريزة والنزعات الانفعالية والانتقامية، ويجعل الغريزة والاندفاعية- وليس العقل- هي القوى المشكلة للسلوك. ولا شك أن هذه العقول سوف تخضع بقوة إلى هذا التأطير كلما اضمحلت فيها الثقافة ونضبت فيها المعرفة. 

أيضا من الانتقادات التي وجهت لمجتمع المستقبل، تعزيزه للثقافة الاستهلاكية. فقد طورت ظاهرة الرقمنة ثقافة الإشباع الرقمي الفوري التي نجد فيها دائما ما يمكن عمله –على الرغم من أننا لا يبدو علينا، وبشكل يدعو للسخرية، أننا راضون تماما عن كل ما ننتهي إليه من خيارات، ونشعر بالملل (الملل متناهي الصغر) في اتجاه المحاولة لتطور منتج جديد.

مع كل هذه التحديات، هناك عديد من الفرص أمام الشباب في مجتمعات المستقبل، والفرص التي ترافق هذا التحدي هائلة؛ حيث وفرت لنا تلك القوى فرصًا جديدة لا تعد ولا تحصى للتقدم البشري. تخيل بلدًا تُقدر فيه المهارات الرقمية الأساسية لها وتتمتع بالأولوية لجميع أفراد البلد - حيث تندمج كأحد المهارات الأساسية للأمة إلى جانب مهارات القراءة والكتابة والحساب التقليدية. تخيل بلدًا يمكن فيه لجميع شرائح السكان الوصول إلى الأخبار والمعلومات، والتواصل مع الأصدقاء وأفراد الأسرة، والاستفادة اليومية من الخدمات المتعلقة بالصحة الإلكترونية، والحكومة الإلكترونية، والتمويل الرقمي، والتكنولوجيا الزراعية، والنقل الذكي - والاستفادة الكاملة من الانغماس في مجتمع المعرفة العالمي النابض بالحياة. تخيل مجتمعًا من الناس يتمتع بالمهارات الرقمية المطلوبة ليكون قابلا للعمالة ومنتجًا ومبدعًا وناجحًا - مجتمعًا يمكن تخيل فيه لجميع شبابنا تطوير المهارات الأساسية ومن ثم التقدم لاكتساب مهارات المستويات المتوسطة والمتقدمة من الدراية الرقمية - شباب قادرون على المشاركة في القطاعات الصناعية الناشئة وعلى إطلاق مشروعات الأعمال الخاصة بهم.  

إن المستقبل غير مؤكد ولا يمكننا التنبؤ به. لكن علينا أن نكون منفتحين ومستعدين لذلك. سيكون الأطفال الذين يلتحقون بالتعليم في عام 2018 هم من الشباب في عام 2030. يمكن للمدارس أن تعدهم للوظائف التي لم يتم إنشاؤها بعد، من أجل التقنيات التي لم يتم اختراعها بعد، لحل المشكلات التي لم تنشأ بعد. إذ سيكون اغتنام الفرص وإيجاد الحلول مسؤولية مشتركة للتنقل عبر حالة عدم اليقين هذه، سيحتاج الطلاب إلى تنمية الفضول والخيال والمرونة والتنظيم الذاتي؛ سيحتاجون إلى احترام وتقدير أفكار الآخرين ووجهات نظرهم وقيمهم؛ وسيحتاجون إلى التعامل مع الفشل والرفض والمضي قدمًا في مواجهة الشدائد. سيكون دافعهم أكثر من الحصول على وظيفة جيدة ودخل مرتفع؛ سيحتاجون أيضًا إلى الاهتمام برفاهية أصدقائهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم وكوكب الأرض.

كما أن التفاعلات الإنسانية والتي من أبرزها؛ تفاعلات الشباب الآلية في الفضاء الرمزي السايبري شكلت بداخله مجتمعات افتراضية Communities  Virtual تحاكي المجتمعات التقليدية في الفضاء الفيزيائي الواقعي، تتكون من أعضاء من جماعات إنسانية في علاقات تفاعلية تربط بعضهم البعض خصائص نوعية معينة بمختلف الخصائص التي تفرضها هذه البيئة الإنسانية الآلية، فالتفاعل والتواصل في المجتمعات الافتراضية بين الشباب من مختلف مجتمعات وثقافات العالم، تزيد احتمالات تعرض أعضاء هذه المجتمعات لعمليات التغيير والتعديل في أفكاره والآراء والقيم والاتجاهات التي يؤمن بها، وهو ما ينعكس على أنماط السلوك الصادرة عنهم في تعاملهم وتفاعلهم مع مجتمعاتهم الحقيقية، فقد أصبحت المجتمعات الافتراضية بأنواعها من حيث المحتوى والآلية تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل البنيات المعرفية والقيمية والثقافية للأفراد والمجتمعات (11). 

تماشيًا مع ما سبق، فإن أفراد الأسرة العربية، ولا سيما الشباب منهم باتوا يعيشون في ظل العصر الرقمي حالة غربة واغتراب عن واقعهم؛ نتيجة لتأثرهم بما تنقله الثورة المعلوماتية لهم من ثقافات تضعهم في قوالب متشابهة من حيث الذوق، والملبس، والعادات، والتقاليد، وفقًا لقوالب غربية، أي تأطير عقل الإنسان ومحاولة طمس ثقافته المحلية وإضعاف مخيلته عن طريق تقديم نماذج جديدة جذابة، وإيقاعه في استلاب عقلي، فكري، معرفي وعقائدي في محاولة حثيثة للوصول إلى مجتمع عالمي متشابه الأفكار والعقائد والميول والقيم والاتجاهات والسلوك. ولكن كيف لنا أن نسد الفجوة القائمة بين التحدي والفرصة؟ كيف نمكن الشباب من اكتساب مجموعة أدوات المهارات الرقمية؟ كيف نوجه الشباب إلى أهمية تشكيل الذوات التي تناسب هذه الطفرات المتسارعة في تكنولوجيا المعرفة وعوالم الأفكار؟ إن الأمر جلل والمصيبة أعظم في حال ما تسرب الشباب من محيط أوطانهم ولاذوا بمجتمعات لم يؤهلوا لها ولم يتم توجيههم إليها. وبالتالي فسوف نفرد ما تبقى من هذا المقال لتوضيح الكيفية التي يجب أن نصنع على أساسها شباب المستقبل، يكون لديه الاستعداد والقدرة والمهارة للتعامل مع المجتمع الجديد، وذلك من خلال طرح فكرة تشكيل الذات الشبابية المستقبلية وآليات هذا التشكيل.

ثانيا: تـوجـيـــه الـشـــبـاب لـلـمـســــتـقـبـل ومكونات الذات الشبابية.. نحو مجتمع النموذج الشبابي المأمول

عرض الجزء الأول من الورقة التحديات والفرص التي يمكن أن تواجه الشباب في رحلة البحث عن مكان لهم في مجتمع المستقبل. أما هذا الجزء فنحاول أن نتعرف من خلاله على الكيفية والآليات المعرفية السلوكية والاجتماعية التي نستطيع من خلالها أن نمهد الدرب لمسيرة الشباب إلى المستقبل، والإجراءات التي نوجه بها الشباب؛ حيث نعرض في هذا الجزء لسياقين من السياقات التي سيتم من خلالها توجيه الشباب نحو المستقبل. السياق الأول، هو السياق غير المباشر الذي يتعلق بتهيئة البيئة الحاضنة والراعية لتوجيه الشباب والمتمركزة حول تهيئة مناخ جاذب للشباب عبر مؤسسات تكوين البشر بشكل عام، والشباب وصغار السن بشكل خاص، وهو يتعلق بتكوين الإطار الحاكم الموجه لشباب المستقبل (الأسرة – المؤسسة التعليمية – الوسائط الإعلامية). ففي البدء يجب توفير البيئة الحاضنة، يلي ذلك التعامل والتوجيه المباشر مع الشباب من خلال تشكيل الذات الشبابية عبر مستوياتها المختلفة بداية من تشكيل العقل والوعي الشبابي بمهارات المستقبل (الذات المعرفية الواعية)، وانتهاءً بتشكيل الضمير الأخلاقي والمثل العليا (الذات الأخلاقية) مروراً بتشكيل الذات الاجتماعية.  

1. بناء السياق: العوامل المؤطرة لسياق شبابي فعال (الأسرة – التعليم – الإعلام)

(أ) الأسرة وبناء الذات الشبابية في مجتمعات المستقبل

غالبًا ما تبنى تصورات الإنسان المستقبلية على أساس خبراته الماضية والحاضرة؛ وتعد الأسرة من أهم المؤسسات الاجتماعية في بناء الذات لدى الشباب، وهي البوتقة التي تنصهر فيها منظومة القيم الأخلاقية وأساليب العيش، وتتشكل من خلالها اختيارات الشباب وتوجهاتهم نحو أنفسهم والعالم من حولهم. إن الأسرة هي ذلك الكيان الصغير الذي يبني المجتمع الكبير ويُبنى عليه؛ ومن هنا يبرز دور الأسرة في بناء جيل يكون قادرًا مستقبليًّا على تشكيل مجتمع سوي من جميع النواحي. إن الأسرة هي أحد المكونات الرئيسة للمجتمع، والتي تتأثر بالتقدم التقني، ويظهر ذلك في التحدي التكنولوجي على الأسرة واختياراتها، وتخطيطها لمستقبل أبنائها.

ويتمثل دور الأسرة الرئيس في تلبية الاحتياجات الـســـيـكـولـوجـيـة والاجـتـمـاعـيـــة والـبـيـولـوجـيـــــة والفـسـيـولـوجـيـــة للـشـــبــاب؛ هــذه الـحـاجـــــات لا شك أن لها أثرًا في تشكيل شخصية الفرد في المستقبل، لذلك يشكل الوعي الأسري بهذه الاحتياجات وأهمية توفيرها أثناء عملية التنشئة الأسرية والاجتماعية والثقافية والدينية والنفسية والسلوكية للشاب. بما أن الأسرة هي المدرسة الأولى للتنشئة فإن فشلها في مهمتها المقدسة ينتج عنه فشل منظومة كاملة وتكوين جيل غير متوازن يسهل السيطرة عليه وترويض عقليته والعبث بأفكاره؛ مما يؤدي به إلى التطرف والإجرام. 

ويرى المختصون (12) أن القرن الحادي والعشرين جاء ومعه مجموعة من التحديات التي من شأنها أن تنعكس على الحياة الأسرية وعلى العلاقات بين أفرادها؛ فالتحول الرقمي وتحديات الانتقال الرقمي قد نال تأثيره العلاقات الأسرية، وصحة وأمان الأسرة؛ حيث كثرة استخدام هذه الفضاءات الرقمية فكان لها دور مهم في تراجع العلاقات الأسرية الأساسية، حيث أصبح للآباء والأبناء عالمهم الافتراضي، الأمر الذي يساهم في الانسحاب من العلاقات الاجتماعية الحقيقية. مما يؤكد أهمية تطوير مهارات الآباء والأمهات لاستخدام التكنولوجيا، وكيفية التعامل مع تحديات التطور الرقمي والاستفادة منها ومواجهة أضرارها، وبذل الجهد والوقت في متابعة وتوجيه الأبناء. ويتطلب الأمر إعداد برامج إرشادية لتأهيل الأبناء لأدوارهم المستقبلية (13). 

ويمثل الاستقطاب الفكري أبرز التحديات التي يجب على الأسرة مواجهتها عن طريق توفير قنوات اتصال تقربها من الأبناء، فتوحد الأسرة ليس مسؤولية الدولة بقدر ما هي مسؤولية الأسرة نفسها، وبناء قنوات التواصل الإنساني مع الأبناء سينتج لدينا أسرة موحدة ومتماسكة، وبالتالي مجتمع متوحد ومتماسك. فلابد أن نصغى لأبنائنا ونعزز ثقتهم بأنفسهم ونعزز مفرداتهم لنتعرف على اهتماماتهم ونوجههم للطريق السليم. ولذلك لابد من جعل الرقمنة أداة لتجويد العلاقات والروابط الأسرية والاجتماعية. وأن يكون والأب والأم المرجعية الأولى للأبناء، خاصة وأن المرجعيات الأخرى تخدم مصالح غيرنا وتتعارض مع مصالحنا وهويتنا المجتمعية.

(ب) التعليم قاطرة بناء الذات الشبابية

يشكل التعليم والتدريب حجر الزاوية ومركز الصدارة والعلامة الفارقة في بناء مجتمع المستقبل؛ فهو الأداة الجيدة التي يستطيع الشباب من خلالها تجاوز الواقع واكتساب المعرفة والمهارات اللازمة للعيش في المستقبل؛ ففي مجتمعات المستقبل يمكن للشباب الوصول إلى "عالم المعرفة" بأصابعهم. وتتمثل إحدى المهام الأساسية للتعليم في تمكين الشباب من فهم أنفسهم؛ حيث يوفر التعليم المعرفة والمهارات، فضلًا عن تشكيل شخصية الشباب؛ فالتعليم يشكل الهوية الوطنية للشباب، وينمي الشعور بالانتماء. بالإضافة إلى أن التعليم مهم جدا لنجاح الفرد في الحياة؛ والتمكين من إدارة نوعية الحياة، وتجنب الفقر، وبناء مجتمع الانسجام والديمقراطية. فمن خلال التعليم يتم منح الشباب القوة للتعبير عن آرائهم، والكشف عن إمكاناتهم الحقيقية، ويقودهم إلى أن يصبحوا أشخاصا أفضل ويوسع وجهات نظرهم واختياراتهم (14). فالتعليم بحق هو قاطرة الشباب نحو المستقبل وبوابة الولوج الحقيقية لمجتمعات المعرفة وعوالم الأفكار. 

والسؤال الآن هو: أي تعليم نريده للشباب ليتمكنوا من العبور للمستقبل؟ وما هي المعرفة والمهارات والمواقف والقيم التي سيحتاجها طلاب اليوم ليزدهر ويتشكل عالمهم؟ وكيف يمكن للأنظمة التعليمية أن تطور هذه المعارف والمهارات والمواقف والقيم بشكل فعال؟ وتعكس الإجابة عن هذا السؤال حالة التعليم في مجتمعاتنا ومدى قدرته على مساعدة الشباب على تجاوز الحاضر والدخول إلى عالم المستقبل. 

تشير وجهات نظر القرن الحادي والعشرين إلى تغلغل الآلات الذكية (الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية وما إلى ذلك) في حياتنا، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها. لقد تسببت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في السنوات الأخيرة في تحولات مكثفة في المؤسسات الاجتماعية الرئيسة. فإذا كان المجتمع التقليدي ينسب إلى المؤسسات التربوية (المدرسة والجامعة) مسؤولية تشكيل شخصية الفرد في ضوء انتقال الثقافة والمعرفة المتراكمة تاريخيًا؛ فإنه منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، تطور التعليم الرقمي في أجزاء مختلفة من العالم، وأصبح المنظور الجديد للمعرفة والتدخل؛ فهو يدعم تقريبًا كل جانب من جوانب العمل والحياة: من ملء استمارة حكومية إلى التواصل بخصوص العمل. وليس هنالك من وظيفة أو مهمة معيشية لا تتطلب مستوى أساسيًّا من الأداء الرقمي. وفي ضوء التقنيات الجديدة التي تظهر كل يوم، نحتاج إلى فرص دائمة مدى الحياة لتعلم مهارات جديدة تكفل للشباب النجاح في عصر التحول الرقمي المستمر (15).

إن التعليم للمستقبل يجب أن يبدأ من خلال تجهيز المدارس بالحواسيب والارتقاء بمهارات المعلمين وتطوير مهاراتهم الرقمية، واعتماد منهاج مرن ومبادئ توجيهية مرنة، وتحويل المدارس من مكان لاكتساب المعرفة إلى مكان لتعلم المهارات غير المعرفية مثل، التعاون وضبط النفس، وضمان جودة التعليم عبر الإنترنت، لا من خلال التعرض المبكر للحواسيب والبرمجيات والإنترنت فحسب، وإنما من خلال غرس مهارات التفكير أيضًا التي تجعل من الطلاب متعلمين مدى الحياة يتسمون بالفضول وقابلية التكيف. كما يجب أن ترتبط منظومة البيئة التعليمية الذكية بالعصر الرقمي من خلال: اللامكان بدلا من المكان المحدد (تتم التفاعلات عبر الفضاء الإلكتروني وليس من خلال التفاعل المكاني الحقيقي)، اللازمان بدلا من الزمان المحدد (تم تصميم شبكات الاتصال الحديثة من البداية للنقل غير المتزامن للمعلومات الرقمية(16). والخلاصة أن التعليم هو مفتاح الشباب للتحرك في عالم المستقبل، والبحث عن وظائف أفضل والنجاح في نهاية المطاف في الحياة؛ حيث يتمتع الأفراد المتعلمون بالاحترام بين زملائهم ويمكنهم المساهمة بشكل فعال في تنمية بلدهم ومجتمعهم. فبالتعليم يستطيع الشباب تجاوز الواقع واكتساب المعرفة والمهارات اللازمة للحياة الجديدة. إن الغرض الرئيس من التعليم هو تثقيف الأفراد داخل المجتمع، وإعدادهم وتأهيلهم للعمل، وكذلك دمج الناس في المجتمع وتعليمهم قيم المجتمع وأخلاقياته. إن الهدف هو أن يصبح نظام التعليم في المستقبل - نظامًا يرتبط فيه بُعد المعرفة ارتباطًا وثيقًا ببعد الوجود والصيرورة؛ نظامًا قادرًا حقًا على وضع الشباب في المركز، باعتبارهم أشخاصًا لهم خلفيتهم الخاصة، وفضولهم الثقافي وتوقعاتهم الخاصة للمستقبل، داخل جدران المجتمع الصغير وخارجها. فالتعليم لا يمكن أن يكون مجرد إمداد بالمعلومات يملأ "الفراغ الفكري"، بل طريقة للاستقصاء عن خبرة المرء في ضوء المعرفة العلمية. ولن يحدث ذلك إلا من خلال نظام تعليمي يوفر ركائز المعرفة وآلياتها ويعمق من توظيفها وسهولة استخدامها.

(جـ) الإعلام كفضاء للحرية

في هذا العالم الرقمي الجديد؛ ليس من المستغرب أن يُنظر إلى الوسائط الإعلامية الجديدة على أنها تلعب دورًا مهمًا في النقاش حول الشباب ودورهم في هذه المجتمعات؛ وبالنسبة للبعض، تعتبر وسائل الإعلام الجديدة جزءًا من المشكلة باعتبارها توفر عوامل تشتيت للانتباه ومصدرًا من مصادر القلق على الشباب. فقد أصبحت لوسائل الاتصال الحديثة القدرة الكافية على إمطار الشعوب بالصور والمعلومات والأفكار، فقد زالت الحدود أمام سلطة الصورة، فازدادت سلطة ونفوذا وتهديدا، فالصورة هي الغاية والمنتهى وهي البديل عن العالم العيني بل توهمنا بأنها الواقع العيني بذاته (17). وقد أدى تغلغل التكنولوجيا الحديثة في كل المجالات إلى تغيير حاسم في طبيعة الخدمات والمنتجات والمعارف. وفي عام 2015 أطلق المنتدى الاقتصادي العالمي مبادرة التحول الرقمي Digital Transformation Initiative (ويُعد التحول الرقمي المرحلة الثالثة من تبني التكنولوجيا الرقمية، التي تمر بثلاث مراحل: الكفاءة أو المهارة- والاستخدامات الرقمية- والتحول الرقمي)؛ بوصفها جزءا من مبادرات متعددة أطلقها العالم لتشكيل المستقبل. وبالطبع تعكس هذه المبادرات وهذه الاهتمامات الدور الهائل الذي يقوم به الإعلام في تشكيل عالم الأفكار لدى الشباب. فقد أصبح التحول الرقمي في الإعلام واقعًا معاشًا في عصر الإعلام عبر المنصات الرقمية، وفتحت شبكات الجيل الخامس الباب أمام التحول الرقمي الذي شمل كل أساليب الممارسة الإعلامية استنادًا إلى التقنيات الحديثة، وأصبحت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي جزءًا رئيسًا في الطفرة التي يشهدها الإعلام المعاصر (18). 

لقد نجمت عن الثورة الاتصالية المعلوماتية تغيرات جوهرية في دور الإعلام، جعلت منه محورًا أساسيًّا في منظومة المجتمع. فهو اليوم محور اقتصاد الكبار، وشرط أساسي لتنمية ورفع مهارات الشباب وصغار السن (19)؛ وازدادت أبعاد الدور الإعلامي والاتصالي من خلال الأقمار الصناعية، والبث المباشر، وازدياد أعداد المحطات الفضائية على نحو لم يكن مسبوقًا من قبل، وشيوع شبكة الإنترنت وربطها العالم بشرايين معلوماتية لم تكن متاحة سابقًا، مما أحدث تغيرات تكاد تكون انقلابية على مفاهيم الحياة وأسلوبها في السنوات الأخيرة. ويقود هذه التغييرات وسائل الإعلام والاتصال لتشكيل عقل جديد مختلف معرفيًّا ووجدانيًّا وسلوكيًّا عن الأجيال السابقة. 

وتنبع أهمية الإعلام والاتصال من كونه يشكل في عصرنا الحاضر القوة الأكثر تأثيرًا في حياة الجميع (كبارًا وصغارًا) بسبب التطور التكنولوجي. إن لإعلام العولمة سلطة تكنولوجية ذات منظومة معقدة، لا تلتزم بالحدود الوطنية للدول، وإنما تطرح حدودًا فضائية غير مرئية ترسمها شبكات اتصالية معلوماتية على أسس سياسية واقتصادية وثقافية. لتقيم عالما من دون أمة أو وطن، هو عالم المؤسسات والشبكات. الذي يتسم مضمونه بالعالمية والتوحد على الرغم من تنوع رسائله التي تبث من خلال وسائل تتخطى حواجز المكان واللغة لتخاطب مستهلكين متعددي المشارب والعقائد (20).  

وإذا كانت وسائل الإعلام في الدول المتقدمة قد قطعت شوطًا كبيرًا وحققت تقدما ملحوظا في مجال التحول الرقمي الذي أصبح واقعا معاشا لدى الكثير منها، فإن وسائل الإعلام في المجتمعات النامية والعربية لا تزال تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال، بل إن البعض منها ربما يعجز عن استيعاب التقنيات الحديثة لأسباب متعددة؛ منها ضعف الإمكانات وقصور النظم والمؤسسات الإعلامية ذاتها. مما يجعلنا نتوقف للنظر والتأمل في كيف نجعل من إعلامنا العربي منصة قوية، وبيئة داعمة للشباب في مجتمع المستقبل. 

2. بناء الذات الشبابية (الذات المعرفية الواعية – الذات الاجتماعية النشطة – الذات الأخلاقية)

يعد تشكيل السياق المؤطر للتنشئة الشبابية (الأسرة – التعليم – الإعلام) بمثابة الأرضية/التربة التي بدونها لا يمكن تأسيس جيل واعٍ بالمخاطر وقادر على درئها، أو كما يطلق عليه البعض "جيل المستقبل"؛ وبدونها لا يمكن بناء ذات شبابية واعية، ومبتكرة، وخلاقة، ومحافظة على ثقافتها ومؤمنة بدورها في حياة مجتمعاتها. وفي المستقبل الواعد للشباب لا يقل تشكيل الذات أهمية عن تأطير السياق؛ فإذا كان تأطير السياق يعد التنشئة غير المباشرة للشباب، فإن تشكيل الذات يعد التوجيه المباشر لما نتطلع إليه لشباب المستقبل. ويعد مفهوم الذات هو الأهم من بين جميع المخططات المعرفية، باعتباره يتمتع بدرجة غير عادية من التأثير على الأفكار والمشاعر والسلوك؛ ويساعد على وجود رؤية واضحة ومستقرة لأنفسنا في علاقاتنا بالآخر (21).

ويمتلك مفهوم الذات أهمية متميزة في مختلف الدراسات النفسية والتربوية والاجتماعية كونه أحد أهم المتغيرات المرتبطة بعملية التكيف النفسي والاجتماعي والأداء المهني والأكاديمي فعندما يتشكل مفهوم ذاتي واضح، يكون الشباب قادرين بشكل أفضل على التواصل بفاعلية مع من نحن وما نريد للآخر، كما سوف تتعزز درجة الرضا والفهم والقدرة على العطاء لديهم؛ فوضوح الكينونة الذاتية سيجعل الشاب أكثر استقلالية وأكثر شعورا بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين وأقل شعورا بالتهديد أو تقديم تنازلات. 

(أ) مجتمع المستقبل وتشكيل الذات الشبابية المعرفية الواعية 

إن تشكيل الوعي الشبابي بشكل عام، من الموضوعات التي يجب أن تتصدر العمليات التوجيهية للشباب، باعتباره المحور الرئيس للذات المعرفية. فعقول الناس ومداركهم تختلف فيما بينهم وفقا للتفاوت والاختلاف في القدرات العقلية والفكرية ودرجات الوعي ومستوياته، ودرجات الفهم والاستبصار وسرعة الاستجابة (22). إن هذا الفهم للذات عملية لا تنتهي؛ تمثل بدايتها في مرحلة الشباب، وتستمر في أن تكون جزءًا رئيسًا من حياتنا في المستقبل. ثمة ضرورة إذن لإدراك الفرد ووعيه بذاته وقدراته؛ إذ إنه دون هذا الوعي ستعيش الذات على نحو ضائع. ولكي تكون لحياة الفرد معنى لابد أن يشعر بأهميته، ولن يشعر بأهميته إلا عن طريق وعيه بذاته وإدراكه لها، وتحقيق مشروع حياته، وتنمية مهاراته، وقدرته على إدارة المعرفة الخاصة به؛ عن طريق توظيف المعلومات والمعارف والمهارات والتركيز على العمل بأسلوب ذكي ومتطور لمواكبة المتغيرات والتطورات السريعة في عصر المعلومات (23). فالإنسان الواعي لذاته يستطيع الاستفادة بأقصى قدر من الحياة ومواردها، ويستطيع مواجهة الأزمات والتغلّب عليها، ويكون لديه شعور عال بالرضى عن نفسه لأنه منجز، ولديه قدرة على التواصل مع الآخرين، ويتم اكتساب الوعي من خلال علاقات الإنسان بذاته وبالآخرين وبالعالم الطبيعي المحيط به، وهي عملية تعبر عن ثالوث من العلاقات المتكاملة والتي يشعر بها الإنسان بأنه غير منعزل عن الآخرين وعن محيطه بما يولد لديه الديناميكية لعملية التغيير في المجتمع. فمن الوعي تبدأ صحوة الفكر؛ حيث أشارت عديد من الدراسات المعرفية إلى أنّ ارتفاع محصلة الوعي حول علم أو فن ما؛ يضاعف من عائدية تعليمه من حيث: السرعة والأداء والفعالية على المتعلّم.

هنا يتم وضع الشباب أمام خيار واحد؛ هو ضرورة الاختيار بوعي، وأن اختياراتهم الواعية تعني قبولهم تحمل المسؤولية. فكل خبرة أو موقف يتعرض له الشباب في حياتهم يفـسر من خلال نماذج تصورية أو معرفية. وهذه النماذج تشكل صيغة يتم بها استقبال المعلومـات الـواردة إليهم، والتي تعمل بطريقة تلقائية لا شعورية. فإذا كانت النماذج المعرفية إيجابية فإنها تجعل نظرة الفرد لذاتـه وللآخـرين وللمستقبل إيجابية، أما إذا كانت النماذج المعرفية سلبية فإن نظرة الفرد لذاته وللآخرين ولمستقبله ستكون سلبية وسيشعر بالتهديد والقلق وتمتد هذه النظرة للمستقبل فيشعر بفقدان الأمل والتشاؤم (24). إن الذي يحتاجه الشباب في مجتمع المستقبل نوعا من الوعي أطلق عليه البعض "الوعي الوقائي" Preventive Awareness (25)؛ والذي يشير إلى الفهم السليم لطبيعة البيئـة ومخاطرها وطرق الوقاية منها، والقدرة على التنبؤ بهـذه المخـاطر والتصـرف حيالها بالوسائل المناسبة لمواجهتها والوقاية من مخاطرها. ويرتبط بتشكيل الذات المعرفية ثلاثة جوانب: تشكيل الوعي بالمخاطر، وتشكيل الهوية الثقافية والمعرفية والفكرية، وتشكيل الوعي بمهارات المستقبل. وهو ما سنعرضه فيما يلي:

تشكيل وعي الشباب بالمخاطر

مع نمو الشباب ووصولهم إلى كفاءاتهم التنموية، وانخراطهم في العوالم الافتراضية الرقمية هناك متغيرات سياقية قد تعزز من نمو الشباب وتطوره أو تكبح جماحه. وكثيرا ما يشار إلى العوامل المعززة بأنها عوامل الحماية، والتي غالبا ما تسهم في اللياقة النفسية والاجتماعية للشباب، أما العوامل المعوقة فيشار إليها باعتبارها عوامل الخطر. وقد أوضحت عديد من الدراسات أن عوامل الخطر التي يواجهها الشباب اليوم أكثر بكثير من عوامل الحماية (26).

لقد أحدثت التقنيات الرقمية تغييرات عميقة في مرحلة الشباب؛ وأصبحت الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، إلى جانب منصات الوسائط الاجتماعية وتطبيقات المراسلة، جزءًا لا يتجزأ من حياتهم. فإذا كان العصر الرقمي قد جاء محملا بالكثير من الفرص، فإن هذه الفرص مصحوبة بمجموعة متنوعة من المخاطر والأضرار التي لابد من العمل على توعية الشباب العربي بها؛ منها على سبيل المثال: زادت التقنيات الرقمية من حجم الاعتداء والاستغلال الجنسي للمراهقين والأطفال، ولم يعد التنمر يُترك عند أبواب المدرسة بل أصبح التنمر عبر الإنترنت طريقة جديدة يستخدمها المتنمرون لإيذاء ضحاياهم وإذلالهم بنقرة زر واحدة. كما أثيرت مخاوف بشأن الوقت الذي يقضيه الشباب في استخدام التكنولوجيا الرقمية وتأثيرها على نشاطهم البدني وصحتهم العقلية.  كما تشكل بعض مواقع الويب والتطبيقات خطرًا على صحة الشباب المهمشين، مثل تلك التي تروج لإيذاء النفس أو الانتحار أو فقدان الشهية أو المقامرة، وزيادة النزعة الاستهلاكية.

وعلى الرغم من هذه المخاطر؛ فسوف تستمر شعبية واستخدام التقنيات الرقمية في النمو. ومن ثم فالحاجة ماسة إلى توجيه الشباب ومساعدتهم على تقييم الأخبار الموثوقة ومصادر المعلومات وتجاوز الضغوط على وسائل التواصل الاجتماعي لمواجهة هذا التهديد الذي لا حدود له.

تشكيل وعي الشباب بالهوية الثقافية

تعرف الهوية الثقافة بأنها كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق، والقانون والعرف، وغير ذلك؛ وهي أيضا الإمكانات والعادات التي يكتسبها الإنسان كونه عضوًا في مجتمع ما؛ وهي التصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحتفظ الجماعة البشرية من خلالها بهويتها الداخلية (27). وفي مجتمعات المستقبل (مجتمعات المعرفة)؛ علينا أن نولي تشكيل الهوية الثقافية والمعرفية للشباب اهتمامًا كبيرًا. فمع ظهور مفهوم "حروب الجيل الرابع" fourth generation wars، والذي يتزامن مع طفرة التطور التكنولوجي، وبخاصة في مجال المعلومات والاتصالات، أصبح السلاح الجديد في هذه الحروب هو العالم المفتوح بالأفكار، وما يتضمنه من قدرات عقلية ومعرفية، واستخدام للشائعات والأكاذيب الهادفة إلى إحداث بَلْبَلة وتشويش في العقول، واستخدام آليات تقنية متطورة لإحداث انقسامات داخل لحمة المجتمع، وإشاعة ثقافة الكراهية، والعمل على إفساد الآراء واضطرابها، وخلق بناء ثقافي مُشَوَّه وتفكيك هوية الشباب العربي بشكل خاص (28). فإذا كان الانفتاح على العالم مطلب شبابي لا مفر منه، فإن علينا توجيه الشباب نحو هذا الفضاء – أقصد الفضاءات – الجديد واحتوائه وإدماجه داخل قالب ثقافي عربي حديث يؤمن بأهمية الانفتاح ويراعي القيم والمبادئ ويطورها بما يتلاءم مع المجتمعات الجديدة. فالهوية الثقافية في واقع الأمر جزء عضوي من فكرة الثقافة، لأنها مهما اختلفت أنواعها فإن التعبير عنها يظل ذاتيا بصورة من الصور. وبين اللائذ بأسوار الهوية من شرور العولمة بترسانتها التكنولوجية الرقمية الجديدة، والمرتمي في أحضان العولمة خلاصًا من أصفاد الهوية، هناك من يرى الحل في هوية منفتحة على العالم وقابلة للتجدد؛ فما من أحد يقبل أن نقف تائهين نصطنع تلك الحيرة بين اللاتاريخ واللاحاضر. لقد حسم غيرنا أمره في مواجهة هذه الأسئلة المفتعلة، رافضا الإقرار بتناقضها الذي يوحي به ظاهر صيغتها. فنحن مدعوون اليوم إلى الدخول في مغامرة الحداثة ولكن بلغتنا ورموزنا ومنظومتنا القيمية والأخلاقية الخاصة.  

تشكيل وعي الشباب بمهارات المستقبل: إعداد شباب اليوم لعالم الغد

إن بناء القدرة على التكيف في عالم متغير تتطلب مجموعة من المهارات التي لا غنى عنها للشباب في المستقبل. وتعد مرحلة الشباب المرحلة التي يتعلم فيها الشاب كيفية اتخاذ القرارات والبدء في اتخاذ الخيارات والقرارات المعقولة لتحسين حياته، وبناء شخصيته. وما يتعلمه الشاب في هذه المرحلة من الأخلاق والمسؤوليات والمهارات والخبرات يشكل مستقبله. فعندما نضع شيئًا خلاقًا ومفيدًا يمكن أن يؤدي بسهولة إلى تطوير مهاراتنا ويقودنا إلى مستقبل مشرق. وقد أجمع الباحثون على أنه يتطلب التوسع العالمي في الاقتصاد الرقمي والمجتمع الرقمي أن نكون مزودين بطائفة من المهارات الرقمية التي تمكننا من النجاح في العمل والحياة؛ ومن أهم المهارات التي يجب أن يتعلمها الشباب من أجل مستقبل أفضل مهارة العمل الجاد، فلا أحد ينمو في بيئة مدللة، ومهارة حل المشكلات والتفكير النقدي، ومهارات التعامل مع الآخرين مثل، التعاطف والتعاون، المرونة في العمل، والتفاعل الرقمي. كما ستشكل قطاعات العمل التي تشمل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والأتمتة، والتصنيع المتقدم، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والبيانات الضخمة، وسلسلة كتل البيانات والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والتعلم الآلي والتطبيقات المتنقلة، والطاقة البديلة، وإدارة النفايات المهارات التي يتمحور عليها المستقبل (29). أما اليوم فإننا نحتاج باستمرار إلى استعراض وتحديث تلك المهارات الرقمية التي تشمل "توليفة من السلوكيات والدراية والمعرفة وعادات العمل والخصائص الشخصية والميول ومواقف الفهم الحرجة"(30).

وبصرف النظر عما ستكون عليه مهارات المستقبل، فيجب تسليح الشباب بما سيحتاجونه من مهارات في ظل التطور التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم، ورفع مستوى الوعي بالمهن التي تستند على التعليم التقني والمهني بين الشباب من أجل إعداد القوى العاملة، وتعزيز المهارات متعددة التخصصات (وتتضمن هذه المهارات البرمجة والمرونة في العمل والقدرة على التكيف). ويمكن لذوي المهارات الرقمية المناسبة النفاذ الآمن إلى الأخبار والمعلومات والتواصل مع الأصدقاء وأفراد الأسرة والوصول إلى الخدمات المهمة المتعلقة بالصحة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية والتمويل الرقمي والتكنولوجيا الزراعية والنقل الذكي، والاستمتاع خلاف ذلك بالعديد من مزايا المشاركة في مجتمع المعرفة العالمي. كما يتحتم على الشباب أن يواصلوا تطوير وتجديد مهاراتهم ومعرفتهم لكي يُجاروا الابتكارات المستمرة والتطورات الجديدة في العالم الرقمي.

(ب) مجتمع المستقبل وتشكيل الذات الاجتماعية 

لا يصلح أي توجيه للشباب من أجل المستقبل، إلا بالتأكيد على البنية الاجتماعية والنفسية للذات. وبالتحديد التأكيد على أساليب تكوين الذات الاجتماعية التي تتمثل في مجموع المدركات السلوكية الاجتماعية المتعلقة بالعلاقات والمواقف الاجتماعية، وهي الصورة التي يدركها الفرد عن نفسه لكن في أعين الآخرين(31). ونظرا لأن موضوع الذات الاجتماعية وتشكلها من موضوعات علم النفس الاجتماعي ذات الجذور التاريخية العميقة فقد أثرنا التركيز على موضوعين يتجلى من خلالهما استقرار هذا الجانب من الذات هما: المواطنة النشطة، ورأس المال الاجتماعي والنفسي.

تكوين المواطنة النشطة في العصر الرقمي

ظهرت مؤخرًا الدعوة إلى تعليم قيم المواطنة، والتي ارتبطت نشأتها بظاهرة العولمة وما صاحبها من انتشار قيم سلبية، تدعو إلى الفردية والسلبية وتضعف من قيمة الانتساب للحدود الجغرافية والهوية الثقافية. ومن الواضح أن ثمة ارتباطًا بين الهوية الثقافية والمواطنة؛ فالتركيز على عناصر الهوية المشتركة بين أبناء الثقافة الواحدة يغذي الإحساس بالمواطنة والاندماج ومشاعر الانتماء. وتطرح العلاقة بين الهوية الثقافية والمواطنة إشكالية كبيرة في مجتمعات المستقبل؛ فقد ذهبت عديد من الدراسات الأكاديمية والشواهد الواقعية إلى أن الشباب يعيشون "محنة/أزمة الهوية"؛ والعيش في عالم تفككت فيه الروابط الاجتماعية وألغيت فيه الحواجز الجغرافية، وتلاشت فيه المسافات الزمنية؛ عالم يصنع أنصاره استنساخ إنسان كوني افتراضي الهوية ينحاز إلى عالم افتراضي عالمي يغترب فيه المواطن عن وطنه ويفقد فيه خصوصياته التراثية ويضعف لديه الشعور بالانتماء ويتخلى فيه عن تراث أمته بل لا يعترف بما نشأ عليه في وطنه وأمته(32). وفي السياق نفسه تقوم العولمة الثقافية بإقصاء الثقافات الأخرى وتذويب الهويات تحت شعارات مثل "المواطنة العالمية"، و"القرية العالمية" و"القيم الكونية" عن طريق قوتها المالية والإنتاجية لثقافة توصف بأنها ثقافة الجنس والعنف، وثقافة تمجيد القوة والمصالح والسيطرة وازدواجية المعايير. فقد جاء العصر الرقمي كأحد الروافد المهمة في التأثير على المواطنة؛ حيث وفر للشباب مساحة واسعة من حرية التعبير عن الرأي لا يجدونها بين جدران مدارسهم أو جامعاتهم أو حتى في مجتمعاتهم بمختلف مؤسساتها، ومن ثم اندفعوا إلى التعبير عن آرائهم في شتى المجالات، وبمختلف الأشكال والوسائل والوسائط، مسقطين كل التابوهات القديمة التي كانوا لا يجرؤون من قبل على مجرد التفكير فيه (33). فلم يعد الوطن محصورًا في محددات ثقافية معينة كاللغة والدين والقيم والآمال المشتركة، بل اتسعت لتشمل العالم كله بما يضمه من أفراد متنوعي الثقافات، لكن تجمع بينهم نفس الأفكار، ويتبنون نفس الآراء والمواقف، ويدافعون عن قضايا مشتركة، ويطمحون إلى تحقيق آمال وأهداف إنسانية. 

وعندما نتحدث عن ترسيخ قيم المواطنة في بنية الذات الاجتماعية؛ فإننا نحاول هنا تناول المواطنة ليس بالمعنى الدراج للمفهوم، ولكن بالمعنى الحديث للمواطنة في مجتمع المستقبل والتي عادة ما يطلق عليها "المواطنة الرقمية" Digital Citizenship التي تهدف إلى إيجاد الأساليب والطرق والبرامج والأنظمة المثلى لتوجيه وحماية جميع مستخدمي التكنولوجيا، وذلك بتحديد، من البداية، الأمور الصحيحة والخاطئة في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، لتشكل جدار حماية لجميع الأفراد. وذلك سوف يؤدي إلى خلق المواطن الرقمي الذي يحب وطنه ويسعى ويفكر لخدمته ومصلحته وحمايته. فالمواطنة الرقمية هي قواعد السلوك المناسبة والمسؤولة المتعلقة باستخدام التكنولوجيا. 

تكوين رأس المال الاجتماعي والنفسي للشباب

عند تناول الذات الاجتماعية لدى الشباب؛ يظهر إلى الأفق أهمية استعراض جودة تشكل هذا الجانب من الذات؛ فإذا ما تشكلت الذات الاجتماعية على نحو جيد، تمكن الشباب من تكوين رأس المال الاجتماعي والنفسي، حيث أنهما من معايير قوة المجتمع لأنهما يساهمان في بناء مجتمعي متماسك وبناء الشخصية التنموية بكل ما تتميز به من قيم ومعايير وفضائل اجتماعية تجعل الشخصية أكثر انتماء ومشاركة، وبذلك يسهم رأس المال الاجتماعي والنفسي في تنظيم الأفراد لتحقيق التنمية والكفاءة وفعالية التخطيط والمتابعة والتقويم واتخاذ القرارات وحشد الجهود وتعبئتها (34). 

وينظر إلى رأس المال النفسي والاجتماعي باعتبارهما أحد أهم الأدوات التي يستطيع من خلالهما الشباب مواكبة التغيرات ومواجهة التحديات وتحقيق الأهداف وبلوغ الغايات. وقد اتفقت الدراسات على أن أبعاد رأس المال الاجتماعي هي: الثقة، والعلاقات الاجتماعية، والتعاون، والحياة الجماعية، والقيم الاجتماعية، والمشاركة الاجتماعية، والمشاركة السياسية. أما أبعاد رأس المال النفسي فتتمثل في الكفاءة الذاتية المدركة، والتفاؤل، والأمل ومرونة التفكير. وينتج عن الدمج بين رأس المال النفسي ورأس المال الاجتماعي ذات اجتماعية قادرة على حل المشكلات واتخاذ القرارات، وسعة في شبكة الاتصالات، ورغبة في المجازفة (المخاطرة المحسوبة)، والقدرة على التغيير والإبداع والابتكار. 

ويتميز رأس المال النفسي عن رأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي، حيث يشمل رأس المال النفسي مجموعة الخبرات والمعارف والأفكار والإبداع والصفات التي يمتلكها الأفراد ويستثمرونها في العمل لتحقيق مكاسب مادية أو أدبية؛ أنه الحالة النفسية التي يحس بها الفرد والتي تأتي من داخله والمقترنة بمقدار كفاءته الذاتية (امتلاك الثقة لبذل الجهود الضرورية للنجاح في الميادين التي تتسـم بالتحدي)؛ والتفاؤل (السمة التي يمتلكها الفرد والتي تعكس توقعاته الإيجابية للأحداث وتنبئ بكيفية مواجهته لأحداث الحياة الضاغطة)؛ والأمل (السعي نحو تحقيق الأهداف، وإعادة توجيه المسارات نحو تلك الأهداف عند الضرورة بغية تحقيق النجاح) والمرونة (التحمل والرجوع إلى الحالة الاعتيادية في حالة تعرض الفرد للمشكلات والمحن في سعيه لتحقيق الأهداف)(35). ولرأس المال النفسي أهمية كبيرة بالنسبة لشباب فهو مكون نفسي ذو تأثير إيجابي على المهارات الحياتية، ودرجة تأقلم الشباب مع البيئة، واندماجهم فيها. وقد يعود ذلك إلى قدرة رأس المال النفسي على تعزيز قدرة الشباب على التعبير عن ردود الفعل الإيجابية، وتقليل الاستجابات السلبية للتوتر، وتحسين أدائهم وزيادة رفاهيتهم النفسية. أما عن رأس المال الاجتماعي فقد وصف بأنه طبيعة ونوعية الروابط الاجتماعية بين الأفراد والجماعات التي تتعلق بقوة عدد من القيم والمعايير الاجتماعية مثل، الثقة والالتزام والتبادل والفهم المشترك والتعاون؛ والتي تنمو في إطار شبكة اجتماعية معينة.

(جـ) مجتمع المستقبل وتكوين الذات الأخلاقية للشباب: الضمير الأخلاقي في مفترق الطرق 

يعد التكوين الأخلاقي جزءًا مهما من تكوين الذات الشبابية؛ والذي يمكن من خلاله الحكم على مدى سوء شخصياتهم أو انحرافهم كما يعتبر النقص في هذا الجانب السبب الكبير فيما نعانيه اليوم من مشكلات؛ وذلك لأن الكثير من مشكلات المجتمع الراهنة هي تعبير عن أزمة أخلاقية. وتعد نظرية الارتقاء الأخلاقي moral development، وهي موضوع دراسة طويل الأمد في علم النفس نقطة انطلاق مناسبة للنظر في أساليب تعامل الشباب في الحياة الرقمية. فقد أوضح كولبرج Kohlberg (1980، 1984) أن الإنسان يمر في نموه وتطوره الفكري الأخلاقي بمجموعة من المراحل تبدأ بمرحلة العقاب والطاعة (يميل الفرد فيها إلى الالتزام بالقواعد لأن إحدى شخصيات السلطة مثل الوالد أو المعلم قد أمرهم بذلك، وإلا سيتعرضون للعقاب إذا لم يتبعوا القواعد)، وتنتهي هذه المراحل بمرحلة المبادئ الأخلاقية العالمية (وهي مرحلة نادرة الحدوث، حيث تخضع أحكام الفرد الأخلاقية لمبادئ عمومية يطبقها على نفسه وعلى جميع البشر) مرورا بمرحلة اتباع القواعد لو كان وراءها فائدة، ثم مرحلة التفكير الأخلاقي وفقًا لما تقوله المجموعة الاجتماعية إنه صحيح وأخلاقي؛ فمرحلة النظام الاجتماعي وتكوين الضمير، ومرحلة العقد الاجتماعي وحقوق الفرد(36). وقد أكد الباحثون أن "الحساسية الأخلاقية" ‘moral sensitivity أو الوعي بكيفية تأثير أفعالنا على الآخرين لا يقل أهمية عن القدرة على التفكير وإصدار الأحكام. علاوة على ذلك، تشير معظم الأدبيات إلى أن الشباب لديهم إحساس ضعيف بما يشكل معضلة أخلاقية، وأن التطور الأخلاقي لا يحدث فقط من خلال تعليم الكبار للمبادئ الأخلاقية، ولكن يحدث من خلال المشكلات التي يواجهها الشباب في العالم، والكيفية التي يفسرون بها هذه المشكلات وطريقة تصرفهم تجاهها. 

اكتسبت الدراسات التي عنيت بتكوين الهوية الأخلاقية للشباب في المجتمعات العربية المستقبلية زخما كبيرًا(37)؛ وبخاصة بعد ولوج هذه المجتمعات من بوابة مجتمع المعرفة والمجتمع الرقمي؛ وما ترتب على ولوجهما من تغيرات متسارعة، وإتاحة فضاءات جديدة أمام الشباب بفعل تقنيات المعلومات والاتصال الجديدة؛ فقد مكنت هذه الفضاءات هؤلاء الـشباب من أن يمارسوا إنسانيتهم المفقودة، ويشعرون فيها بكرامته الضائعة، ويعبرون فيها بحرية عن معتقداتهم وأفكارهم، حيث تتوافر فـرص التحـاور والتبـادل المعرفي، وممارسة النقد دون حواجز، والمبالغة في كـشف أسـرار الحيـاة الشخصية، واتساع شبكة العلاقات بين الجنسين... إلخ؛ مما أدى إلى وجود تخوفات كثيرة من حدوث أزمة أخلاقية لدى الشباب العربي لوجود تناقضات وتعارضات، بل وصراعات داخل فئة الشباب، بفعل تعدد الأنظمة الإدراكية، بين هذا الواقع الجديد والقيم العربية المتوارثة وصعوبة التكيف معها(38). 

وعند الحديث عن تشكل الذات الأخلاقية لدى الشباب العربي؛ نستدعي هنا مقولة مهاتما غاندي: "يجب عليك أن تكون التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم... فخيانة الأمانة هي أن تؤمن بشيء ولا تمارسه". ومن ثم فتشكل الوعي الأخلاقي والذات الشبابية الأخلاقية في مجتمعات المستقبل يأتي بممارستها والتطبيق الفعلي لها في مناحي الحياة اليومية المعاشة قبل الافتراضية، فيجب غرس الأخلاق والقيم والمبادئ بطرق غير تصادمية، تقنع الشباب وتكسبهم في صف التغيير والتطوير؛ فكم من مساع إصلاحية ومن رسائل تصحيح لم تجد لها صدى إيجابيًّا، ولم يكن لها تأثير فعلي، فقط لأن الطريقة لم تكن بالحصافة والنجاعة المطلوبة. 

وختامًا، يعد التقدم الحضاري الهائل الذي حققته الأقطار العربية في السنوات الأخيرة، واضحا أمام العين وضوحا يتيح لنا أن نراه بلمحة خاطفة، مما يدل على أن الإضافة الحضارية قد رسخت جذورها، واشتد عوادها وفي انتظار جني ثمارها. ولن يحدث جني الثمار، وتحول هذه الإضافات الحضارية التقدمية إلى مركب أصيل في البنية المجتمعية؛ إلا إذا انتقلت تلك الإضافة عند المواطن العربي من حالة الوعي بها إلى حالة اللاوعي، أي يعيشها الإنسان وكأنها جزء من فطرته، ليتمكن من أن يمد أمله إلى إضافة أخرى؛ فكما يقول الإمام محمد عبده: " الذي تمكن في عقول الناس أزمانًا لا يفارقها إلا في أزمان، على أنه محال على الناس أن يغيروا ما بهم من تخلف، ليلحقوا بحضارة العصر ما لم يبدأ الأمر باقتناع حقيقي عندهم، إذ لا يكفى أن ننقل إليهم المظهر الخارجي للحضارة، دون أن يستند ـ في باطن نفوسهم ـ إلى المبادئ التي يرتكز عليها ذلك المظهر"(39). 

إن الحديث عن مجتمع رقمي في المستقبل يدفعنا للحديث عن قاطني هذا المجتمع؛ وهم عبارة عن مجموعة سكانية عالمية مميزة من الشباب الذين أبصروا النور في العصر الرقمي وترعرعوا على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في حياتهم اليومية، واستفادوا الاستفادة القصوى من الإمكانات الاتصالية والتربوية للموارد التقنية، وأصبحوا قادرين على إنتاج المعرفة، ويشار غالبا إلى هؤلاء السكان الموصولين بالشبكات بالمواطنين الرقميين. فالرقميون قادمون لا محال في غضون سنوات قليلة بعد أن تسيطر التقنية المتقدمة على نظام الحياة اليومية للجميع بدون استثناء وتذوب الفوارق بين الأجيال، خاصة في العالم النامي وبشكل أكبر مع تلك الحواسيب المحسنة والمتطورة في المكاتب والهواتف والآلات المعقدة في المصانع، ويتوقع أن شباب اليوم  الذين يصلون إلى "عالم المعرفة" بأصابعهم، في حاجة إلى مدرسة أخرى غير المدرسة التقليدية، مدرسة تتحدث "لغتهم" على أقل تقدير، وفي حاجة إلى تدريب وتعليم وتأهيل وتوجيه يوفر لهم الأمن والأمان، ويساعدهم على الابتكار والإبداع والاندماج النشط الفعال. والسؤال الآن هو: متى يمكننا الحديث عن شباب عربي رقمي؟ وهل مجتمعاتنا العربية قد وفرت لها البيئة الملائمة لولوج هذا العالم والإسهام فيه بفاعلية (استخداما وتوطينا وإنتاجًا)؟

تقييم الموقع